
الانتصار لا يبدأ يوم تسقط آخر جماعة مسلحة، بل يوم يتغير تصور الجميع لمن يملك القدرة على الاستمرار ومن يملك القدرة على فرض إيقاع الحرب. وهذه بالضبط هي النقطة التي كنت أكررها في تحليلاتي عن مالي خلال السنوات الأخيرة.
ومن هذا المنظور، فإن خروج قوات أزواد من كيدال لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد مناورة تكتيكية عابرة، ولا باعتباره قراراً منفصلاً عن مسار الحرب. إنه، قبل كل شيء، نتيجة فرضها الواقع العسكري والسياسي الجديد. ومن كان ينظر إلى المشهد بعقله، بعيداً عن الرغبات والأهواء وبعيدا عن الصور التي صنعتها الدعاية حول استحالة عودة الدولة المالية إلى شمال البلاد، كان يستطيع أن يرى أن السؤال الحقيقي لم يعد، هل تستطيع باماكو الوصول إلى كيدال؟ وإنما من الذي أصبح يملك القدرة على مواصلة الحرب، ومن الذي أصبح مضطراً إلى إعادة حساباته؟
لقد كنت أتابع هذا المسار منذ سنوات، لا من خلال توقعات منفصلة أو مواقف ظرفية، وإنما من خلال سلسلة من المقالات والتحليلات التي كانت تنطلق من فرضية واحدة، هي أن الدولة المالية لن تنهار، والجيش المالي سيستعيد تدريجياً زمام المبادرة، و الجماعات المسلحة التي بنت نفوذها على فراغ الدولة وتحالفات ما بعد انهيار ليبيا وسقوط القذافي على يد الناتو ستجد نفسها، مع تغير ميزان القوى، مضطرة إلى التراجع من المواقع التي كانت تبدو في مرحلة سابقة عصية على الاسترداد.
ومنذ يوليو 2024، كتبت بوضوح محذراً من (تقزيم قدرات الجارة مالي)، ومؤكداً أن الدول الثلاث في تحالف الساحل أصبحت (أقوى مما كانت عليه بكثير) وأنها (تحقق نجاحات في تأمين أراضيها). لم يكن ذلك وصفاً للحظة عابرة، بل قراءة لاتجاه استراتيجي كان يتشكل أمامنا.
وفي أبريل 2025، عندما كتبت عن العلاقة الروسية المالية، لم أتعامل مع الوجود الروسي باعتباره تفصيلاً خارجياً في حرب داخلية، بل قلت في مقال بعنوان : هل تصبح روسيا هي بيضة القبان التي ستميل كفة الميزان، إن موقف روسيا سيكون محسومًا لصالح مالي إذا احتدم الصراع ، كان المقصود واضحاً: الحرب لا تجري في فراغ، ومن يملك العمق والتحالفات والقدرة على الاستمرار يستطيع في النهاية أن يغير قواعدها.
ثم جاءت مقالات 2026 لتؤكد الفكرة نفسها من زاوية أكثر وضوحاً. لم يعد الحديث عن قدرة مالي على الصمود مجرد استنتاج؛ فقد أصبح السؤال يتعلق بقدرة الجيش على المبادرة وبالآثار المترتبة على تضييق المجال أمام الجماعات المسلحة. وفي تحليلي لمعركة إنفيس الاخيرة ، اعتبرت أن ما جرى يمكن أن يكون نقطة مفصلية تشبه، من حيث أثرها في مسار الحرب، معارك غيّرت اتجاه صراعات افريقية معروفة مثل معركة اكويتونافالي فيالحرب الاهلية في انغولا.
لهذا فإن كيدال لا تُقرأ وحدها فالجغرافيا العسكرية لا تتغير في يوم واحد، وميزان القوى لا ينقلب ببيان صحفي. هناك لحظة طويلة تسبق المشهد الذي يراه الناس فجأة على شاشاتهم، لحظة يبدأ فيها طرف بالقدرة على التقدم، بينما يبدأ الطرف الآخر في البحث عن أفضل طريقة للتراجع؛ لحظة يتحول فيها السؤال من الاستطاعة الى التوقيت ؛ وهنا تحديداً تكمن أهمية قراءة السنوات السابقة، لا الاكتفاء بصورة اليوم.
لقد كان واضحاً في سلسلة مقالاتي عن مالي وعن الساحل بشكل عام أنني لم أتعامل مع قضية أزواد باعتبارها العامل الوحيد الذي يحدد مستقبل مالي، بل رأيت منذ البداية أن الدولة المالية تعيد بناء نفسها عسكرياً وسياسياً، وأن تحالف الساحل والدعم الروسي وإعادة تعريف العلاقة مع الجزائر كلها عناصر تدخل في معادلة أكبر من مجرد معركة بين باماكو والجماعات المسلحة.
وقد يكون من السهل، بعد وقوع الأحداث، أن يعيد الجميع كتابة الماضي وكأن النتيجة كانت بديهية، لكن الاختبار الحقيقي للتحليل ليس في معرفة النتيجة بعد وقوعها؛ وإنما في معرفة اتجاهها قبل أن تصبح واضحة للجميع.
وهذا هو الفارق بين من يقرأ الأحداث بعين الرغبة، ومن يحاول أن يقرأها بعين الواقع.



.jpeg)

.jpeg)