بيترو أريتينو...رائد مدرسة الابتزاز

في متحف "فريك" بنيويورك توجد صورة لرجل مكتنز الوجه، كثّ اللحية، يلبس رداء فاخرا، تتدلى على صدره سلسلة ذهبية ضخمة لم تكن مجرد زينة فقط، بل كانت دليلا على قدرة كاتب - كان فقيرا - على تحويل المديح والهجاء إلى ثروة، هذا الرجل هو بيترو أريتينو، الكاتب الإيطالي الذي عاش في القرن السادس عشر، والذي يصفه المؤرخون بأنه أول مبتز في تاريخ الكتابة والأدب. 

وُلد أريتينو عام 1492 ولم ينل تعليما جيدا أو منتظما، ونُفي من مدينته التي اختارها لتكون اسمه العائلي على خلفية نشره لقصيدة يهجو بها أحد رجال السلطة. 

كانت روما في ذلك الزمن عاصمة العالم الغربي بلا منازع، ففيها البابا والفنانون والأثرياء، وفيها تُتخذ القرارات الكبرى وتُحاك المؤامرات، وهناك وجد أريتينو من يأخذ بيده، وهو التاجر الثري أغوستينو كيجي، الذي مكّنه من الدخول في حلقة الفنانين والكتّاب، فتعرف على نجوم المجتمع آنذاك، وبدأ نجمه يلمع، فقد تعلم أريتينو مبكرا أن مصيره مرتبط بمن يدفع، وأن لا شيء في هذا العالم يدوم.

لقد كان المديح أمرا شائعا في تلك الفترة، فالأمير الذي يريد أن يُخلَّد اسمه يحتاج إلى من يكتب عنه، والكاتب الذي يريد أن يأكل يحتاج إلى من يدفع له، غير أن هذه المعادلة تخفي نصفها الثاني، فإذا كان المديح يُشترى، فإن الصمت يُشترى أيضا، وإذا كان الكاتب يستطيع أن يرفع من يشاء، فهو قادر كذلك على القيام بالعكس تماما وهنا بالضبط استثمر أريتينو موهبته.

لقد فهم صاحبنا أن السمعة في عصر النهضة لم تكن رفاهية زائدة، بل كانت رأس مال سياسيا حقيقيا، فالأمير الذي يُعرف بأنه كريم وشجاع وعادل يكسب ولاء رعيته وهيبته بين خصومه وثقة حلفائه والعكس صحيح. 

وفي عام 1525 وقعت الحادثة التي غيّرت مجرى حياته، فقد تعرض في ساعة متأخرة من الليل لهجوم بالخنجر قام به أحد رجال أسقف كان قد سخر منه، فطُعن في صدره وأصيبت يده اليمنى إصابة بالغة، إلا أنه نجا بأعجوبة، لكنه أدرك في نفس الوقت أن الكاتب الذي يهاجم الجميع دون أن يحتمي بأحد معرّض للموت.

 

غادر أريتينو واستقر نهائيا عام 1527 في البندقية التي كانت في ذلك العصر من أهم مراكز الطباعة في أوروبا، تعج بالمطابع ودور النشر، وقد ظهرت المطبعة قبل ولادة أريتينو بنحو أربعين سنة، لكنها لم تكن قد غيّرت بعد علاقة الكاتب بالسلطة تغييرا كاملا، وجاء أريتينو ليستثمر هذه الأداة الجديدة بذكاء لافت.

فقبل المطبعة كانت الرسالة تصل إلى شخص واحد أو إلى حلقة صغيرة، أما بعدها صار بإمكان الكاتب أن يخاطب جمهورا لا يعرفه ولا يراه، وهذا يعني أن سمعة الأمير لم تعد تتوقف على ما يقوله له خدمه ومستشاروه، بل على ما يتداوله الناس عنه. وكان أريتينو من أوائل من أدركوا ذلك، فصار ينشر رسائله ويكتب لقرّاء بعيدين، ويبني لنفسه اسما يتجاوز المكانالذي يعيش فيه.

أريتينو لم يكن يكتب على الأرجح رسائل تقول صراحة "ادفع وإلا فضحتك على رؤوس الأشهاد" لأنه يعي أنه لو فعل لواجه عواقب وخيمة في مجتمع لا يتسامح مع التهديد الصريح، فكانت طريقته أكثر مكرا، فكان يكتب رسالة مفعمة بالثناء إلى أمير أو رجل دين، تمتدح مناقبه وكرمه وعظمته، ثم يترك في ثناياها ما يوحي بأنه يعرف الكثير، وبأنه يستحق أن يُعامل بكرم، وكان ينتظر، فإن جاءته الهدية، استمر المديح، وإن لم تأت، تحول القلم إلى وجهة أخرى.

وقد وصفت مصادر عدة هذه الرسائل بأنها مديح قد ينقلب في أية لحظة إلى ابتزاز، فالرجل كان يتمتع بقدرة فريدة على إشعار الضحية بأن من مصلحته أن يظل الكاتب سعيدا.

تشير المصادر إلى أن أمراء ونبلاء أوروبيين كانوا يدفعون له مبالغ كبيرة بدلا من أن يجازفوا بأن يسخر منهم في أحد منشوراته، وقد وصف أحد الباحثين طريقته بأنها تقوم على ثناء قد ينقلب إلى تهديد خفي بالفضح إذا لم يُكافأ بسخاء. 

والطريف هو علاقة أريتينو بأقوى رجلين في أوروبا آنذاك، الإمبراطور شارل الخامس وملك فرنسا فرانسوا الأول، وكانا خصمين لدودين يتنازعان التأثير والسيادة على القارة، وتذكر المصادر أن الاثنين منحاه معاشا في الوقت نفسه، وأن كلا منهما كان يأمل أن يلحق قلمه أي أريتينو ضررا بسمعة الآخر.

ومن أشهر الهدايا التي تلقاها سلسلة الذهب التي أهداه إياها فرنسوا الأول، وهي التي يظهر بها في بورتريه شهير معلق في متحف في نيويورك كما ذكرتُ في بداية المقال، فهذه السلسلة كانت دليلا علنيا على مكانته، فمن يهديه ملك سلسلة ذهبية لا يمكن أن يكون كاتبا هامشيا.

يؤمن أريتينو أن الابتزاز ليس قوة مطلقة، بل علاقة هشة تقوم على حسابات دقيقة، فالمبتز يحتاج إلى أن يخافه الناس وألا يغضبهم إلى درجة يقررون فيها التخلص منه، فكان الرجل بارعا في خلق هذا التوازن، فيضغط حتى يصل إلى حد معين ثم يلين، يهاجم ثم يمدح، يخيف ثم يطمئن، وهذه المهارة في إدارة الخوف هي ما أبقاه حيا أربعة وستين عاما في زمن كانت فيه المؤامرات والاغتيالات أمرا مألوفا.

ثم إن هناك ثمنا آخر لكنه أعمق، فمن يعرفه الناس بالمبتز لا يستطيع أن يتوب، وأريتينو الذي حاول في سنواته الأخيرة أن يرتدي قناعا دينيا، لم يُصدّقه كثيرون، فقد كان الناس يرون في كل مديح له ثمنا.

تشير مصادر عديدة إلى أن أريتينو كان رمزا للتسول والابتزاز وكاتبا متملقا وأن رسائله بقيت شاهدة على سلوكه الذي وُصف بالمنحط، بينما يعتقد آخرون أنه لم يكن مبتزا فقط بل كان أيضا رائدا مهما من رواد الصحافة، لقد كان أول شخصية شهيرة بالمعنى الحديث، صنع صورته بنفسه وروّج لها بوسائل عصره.

قد يبدو أريتينو شخصية قديمة، لكن ملامحه تتكرر في عالمنا اليوم وإن بأشكال مختلفة، لكن الفرق الجوهري بين أريتينو وأمثاله اليوم هو أنه عاش في زمن لم تكن فيه قوانين تعاقب على هذا السلوك، ولا مواثيق مهنية تضبط الكتّاب، ولا هيئات تحقق في الشكاوى، أما اليوم ففيه قوانين وأخلاقيات مهنة ومؤسسات تحاسب، إن ترك حالات الابتزاز دون تحقيق، وتجاهل الجمهور لما يعرفه عن مصادر تمويل هذه الأقلام، يسهم في ظهور نسخ جديدة من أريتينو، ثم إن السلطة نفسها تتحمل جزء من المسؤولية، فالأمراء الذين دفعوا لأريتينو كانوا يعرفون ماذا يشترون منه بالضبط وبالتالي أسهموا في تعزيز وجود هذه الظاهرة المشينة.

 

المصطفى ولد البو

كاتب صحفي

 

اثنين, 05/10/2026 - 11:48