اقتصاد الدجل

هناك عندنا اقتصاد لا يُتحدث عنه كثيرًا، لأنه يزدهر في ظل شكل من أشكال التواطؤ الضمني، بل وربما تحت حماية يصعب التشكيك فيها: أعني اقتصاد الدجل.

ينبغي أن نتحدث عنه بهدوء، لأننا على الأرجح أمام أحد أخطر التهديدات لرفاهنا الجماعي. ولذلك فإن هذا النص إنذار وواجب في آن واحد. لا يمكننا أن نحتمي بصمت يتحول، مع مرور الوقت، إلى نوع من التواطؤ، إزاء ممارسة تظل، مهما حظيت بقبول واسع، بالغة البشاعة، وتشكل واحدًا من أثقل العوائق أمام ازدهار أي مجتمع.

 

لقد اختار هذا السوق ضحاياه بعناية: مرضى يتألمون ولم يعالجهم المستشفى، أو لم يستقبلهم أصلًا؛ أمهات قلقات ـ بحق ـ على أبنائهن؛ شباب يملؤهم الأمل ويتطلعون إلى حياة أفضل؛ نساء في ضيق يشعرن أن استقرار أسرهن مهدد. وغيرهم كثير.

 

وكما في كل اقتصاد وكل سوق، تُعرض منتجات ويُروَّج لها: مضاعفة النقود، والشفاء المضمون، والحماية مقابل التضحية بهذا الكبش أو تلك البقرة، وفوق ذلك كله مبلغ من المال لا بد من دفعه.

أما المستفيدون فهم دائمًا أنفسهم: أولئك الدجالون الذين يبيعون كل الأحلام، ويدّعون امتلاك مفاتيح كل الثروات والحلول السحرية لكل المشكلات. وهم، في نهاية المطاف، الأشخاص الوحيدون الذين تثبت الوقائع القابلة للتحقق أنهم يجنون فعلًا ثمرة الوعود التي يقدمونها لزبائنهم المساكين: الثروة والرخاء.

 

الدجال لا يحارب الفقر؛ بل يعيش منه. ولا يعالج المرض؛ بل يقتات على الخوف الذي يثيره. ولا يبيع الأمل؛ بل يؤجره، وعلى الزبون أن يعود ليدفع ثمنه كل شهر، أو بانتظام، بطريقة أو بأخرى.

الدجال يصنع اعتمادًا على «حلوله». وككل اعتماد، فإنه يعيد صاحبه إليه عند أدنى اضطراب نفسي أو مشكلة عملية.

ومع ذلك، تكفي بضعة أسئلة بسيطة لكشف الخديعة وهدم الكذبة التي يجري الحفاظ عليها:

إذا كان رجل يستطيع مضاعفة المال، فلماذا يحتاج إلى مالك أنت؟

إذا كان يعالج السكري أو يخفف الألم، فلماذا يواصل أقاربه، أو هو نفسه، الذهاب إلى المستشفى أو شراء «دوليبران» عند أول وجع أسنان؟

إذا كان يستطيع علاج السرطان، فلماذا لا يتقدم إلى أكبر مراكز علاج الأورام في العالم ليعرض عليها أساليبه؟ فالطب لا يطلب شيئًا أكثر من إيجاد حلول أفضل.

وإذا كانت حمايته ناجعة، فلماذا يتعين دفع ثمنها مرارًا وتكرارًا؟

ومن الذي يزداد ثراءً، في نهاية المطاف، من هذه العملية؟

نحن هنا أمام مجال يتطلب قدرًا كبيرًا من الصرامة في التحليل، إذ يمكن تقديم إجابات كثيرة منحازة أو مضللة، وقد أوقعت بالفعل أكثر من عقل رشيد. وسأحاول مناقشة بعضها في الحدود الضيقة التي يسمح بها هذا الشكل من التواصل.

قد يُقال إن المرضى أنفسهم يعودون، وإنهم يروون أنهم شفوا ويشهدون بتحسن حالتهم. والدجالون أنفسهم يستخدمون هذه الشهادات في دعايتهم وحججهم التجارية، وينشر «المعالجون» أو مساعدوهم شهادات من هذا النوع.

وحتى لو افترضنا صدق المريض ـ وأنا أختار أن أفترضه ـ فإن التعقيد النفسي الذي يحيط بالمرض أو بالأمل يمنع أي تحليل جاد من التوقف عند الشهادة الشخصية. بل يجب، حفاظًا على النزاهة العقلانية، أن تصبح الشهادة نفسها جزءًا من المادة التي ينبغي تحليلها.

فوسط كل هذا التأثير النفسي وهذه الإيحاءات، هل تثبت العودة إلى المعالج وجود أثر سريري حقيقي؟ في أفضل الأحوال، قد تدل على نوع من الاعتماد أو التوقع النفسي الذي بدأ يتشكل.

ثم إن كثيرًا من الأمراض تتطور على مراحل: يتحسن المريض ثم ينتكس، من دون أن يكون ذلك نتيجة لأي تدخل. وبعض الأمراض تزول تلقائيًا، بدرجات احتمال تختلف باختلاف خطورتها.

ولهذا بالضبط تخضع فعالية الأدوية لبروتوكولات علمية صارمة تأخذ في الاعتبار الأوهام المنهجية العديدة والآثار المتداخلة المعروفة والموثقة. وخارج مثل هذه البروتوكولات، لا يمكن تفسير أي أثر تفسيرًا صحيحًا، حتى لو كان ذلك الأثر حقيقيًا.

 

 

وهم الشهادات وانحياز الناجين

 

هناك جانب آخر في مسألة الشهادات، وهو أخطر بكثير: انحياز الناجين الشهير.

كنت قد شرحت ذلك في فيديو من خلال المثال الكلاسيكي لعالم الرياضيات أبراهام والد وطائرات الحرب العالمية الثانية. كانت المسألة تتعلق بتعزيز تدريع الطائرات من خلال دراسة الطائرات التي عادت من ساحات القتال وهي مثقبة بالرصاص.

وعلى خلاف ما قد يوحي به الحدس، أوصى والد بتدريع المناطق التي لم تصب بالرصاص. وكانت حجته أن الطائرات التي تمكنت من العودة إلى قواعدها لم تُصب في مناطقها الحيوية، بينما الطائرات التي لم تعد ربما أصيبت تحديدًا في تلك المناطق.

عقولنا تميل إلى نسيان الغائبين، والتركيز فقط على من بقي ليحكي تجربته، من دون مقارنته بمن لم يستطع الكلام أو لم يعد موجودًا أصلًا.

والاعتماد على الشهادات وحدها يعني الوقوع في الخطأ نفسه الذي كشفه والد في حالة الطائرات الحربية.

فالعملاء الكثيرون الذين لم ينجح معهم الأمر، أو الذين لم يروا نهاية للنفق، أو الذين لم يجدوا في فشلهم قصة جذابة يروونها، يجب أن يدخلوا هم أيضًا في الحساب.

وهم موجودون فعلًا.

عائلات باعت مواشيها مقابل شفاء وُعدت به. أمهات بعن حليهن الذهبية بأثمان بخسة. شباب كسروا مدخراتهم الصغيرة. ومرضى توقفوا عن تناول علاجهم لأن أحدهم طلب منهم ذلك.

وبعضهم مات.

في أماكن أخرى يسمى هذا احتيالًا، وممارسة غير قانونية للطب، وتعريضًا لحياة الآخرين للخطر. أما عندنا، فكثيرًا ما يُغطى باسم «التقاليد» أو «الإيمان»، ويكفي ذلك حتى لا يُحاسب أحد عندما تقع الكارثة.

هذه الأفعال ينبغي الاعتراف بها، والتنديد بها، ومعاقبتها بالقانون.

وأريد أن أكون دقيقًا فيما أنتقده. أنا لا أتحدث عن معتقدات الناس؛ فالإيمان شأن آخر تمامًا. ولا أتحدث عن المعرفة بالنباتات، التي استخلص الطب نفسه منها أدوية كثيرة.

الدعاء للمريض، ومواساته، والإحاطة به؛ لا شيء من ذلك محل اعتراض.

أنا أتحدث عن أفعال: أن تعد بالشفاء على أساس ممارسات لم تخضع يومًا لأي تقييم، وفي ظل فوضى منهجية كاملة؛ وأن تتقاضى المال مقابل وعد لا يستند إلى أي أساس؛ وأن تبعد المريض عن الرعاية الطبية المنظمة.

هذه الأفعال تظل أفعالًا، مهما كان لباس من يرتكبها أو لقبه. ولا يوجد لقب يضع إنسانًا فوق القانون.

 

 

دجل جديد آخذ في الانتشار

 

لقد تعلم الدجل أيضًا كيف يغير ثيابه.

فهو لم يعد يقتصر على الودع والتمائم، ولا على الخلطات والسبحة. أصبح يأتي كذلك في علب محكمة الإغلاق، وكبسولات، وملصقات مكتوبة بالفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية، وعبوات فاخرة بتصاميم أنيقة.

هناك بائعون لمنتجات مستوردة يعدون بعلاج السكري، وارتفاع ضغط الدم، والعقم، وتحفيز نمو الشعر، وتضخيم العضلات، من دون أن ننسى التطبيقات الأكثر ابتذالًا التي تصل إلى حد الوعد بتضييق بعض القنوات الحميمة.

وأحيانًا تعد كبسولة واحدة بكل ذلك دفعة واحدة.

لقد أصبح للدجال التقليدي منافس جدي!

الثوب هنا يشبه الطب فعلًا، لكن من الضروري القول إنه ليس طبًا، بل بعيد عنه كل البعد.

وأحيانًا يكون البائع أكثر دجلًا من المنتج نفسه؛ فالمنتج، إذا كان مصنعًا بصورة قانونية، قد لا يحمل أكثر من عبارة «مكمل غذائي»، بل قد تكتب عليه أحيانًا عبارة: «لا يعوض العلاج الطبي».

فالعلبة تعترف بما يخفيه البائع.

قد يكون للمكمل الغذائي نفعه، لكن المنتج الذي يزعم أنه يعالج كل شيء، لا يعالج شيئًا.

وحين يُعرض عليك، فوق ذلك، أن تصبح أنت أيضًا بائعًا، وأن تجند أقاربك ومعارفك، فأنت لم تعد مريضًا أو مستهلكًا؛ لقد أصبحت مجندًا في الشبكة. وهذا أمر لا تقترحه أي عيادة جادة على مرضاها.

وكثير من هؤلاء البائعين هم أنفسهم ضحايا. فقد وُعدوا بالثراء، فاشتروا مخزونًا من المنتجات، وأصبح عليهم الآن بيعها لأقاربهم أو لمتابعيهم حتى يستعيدوا أموالهم.

وهكذا يربح النظام مرتين: من المستهلك، ومن الشخص الذي يبيع له.

وربما كان هذا النوع من الدجل أخطر من الأول، لأنه يتشبه بالعلم ويحاول أن يختلط به.

وأنا أدينه بالحزم نفسه الذي أدين به النوع الأول؛ فليست منشأ السلعة هو المهم، وإنما الوعد الكاذب والمال المأخوذ من الضحايا.

 

 

وأين الدولة من كل هذا؟

 

لماذا يلجأ هذا العدد الكبير من الناس إلى هؤلاء؟

لا أعتقد أن السبب هو الغباء.

يلجأ الناس إليهم لأن المستشفى بعيد، أو مكلف، أو سيئ التجهيز، أو حتى مُهينًا ويفتقر إلى الثقة. ولأن أحدًا لم يأخذ الوقت الكافي لشرح المرض أو الاعتراف ببعده النفسي. ولأنه لا توجد وظائف، ولأن الشهادات لا تقود إلى شيء.

وحين لا يوجد طريق واقعي وموثوق يؤدي إلى حياة أفضل، لا يبقى إلا الطريق السحري.

وهنا نصل إلى الجانب السياسي الأكثر إلحاحًا في القضية، وهو جانب لا مصلحة لأحد في تجاهله. يجب طرحه بوضوح.

لأن هذا النظام، كما يبدو في طريقة اشتغاله، له مستفيدان لا مستفيد واحد.

الأول هو الدجال، مهما كان لباسه؛ فهو يجد في البؤس زبائن أسرى، وفي الصمت العام شكلًا من أشكال الإفلات من العقاب.

أما المستفيد الثاني فهو الدولة، أو بالأحرى تقصير الدولة في أداء مهمتها المتمثلة في ضمان خدمات موثوقة للمواطنين.

فعندما تترك للآخرين مهمة مواساة الناس، وعلاجهم على طريقتهم، وبيع الوعود لهم، فإنها تتخلى عمليًا عن جزء مما ينبغي أن تقوم به بنفسها.

كما تسمح بتداول منتجات، كيميائية أو رمزية، تُقدم على أنها علاجات، من دون رقابة جدية على الوعود التي تُسوَّق بشأنها.

والشعب الذي ينتظر خلاصه من طقس سحري أو كبسولة معجزة لا يطالب حكامه بشيء. وتذوب قدرته على المطالبة بحقوقه في انتظار المعجزة.

وهكذا قد يُشترى السلم الاجتماعي بثمن زهيد، وأحيانًا تُشترى معه الأصوات.

كل طرف يستفيد من ضعف الآخر.

غياب الدولة يغذي الدجال، والدجال بدوره يخدر المطالب الموجهة إلى الدولة.

الدجال يحتل شباك الدولة الغائبة.

أما من يدفعون الثمن فليسوا أبدًا أصحاب القدرة المالية. فكلما كان الإنسان أفقر، وأكثر مرضًا، وأقل تعليمًا، دفع أكثر.

يذهب المال، ويبقى المرض، وتتراجع الثقة في الطب وفي المدرسة.

إنها دائرة مفرغة، وتدور لمصلحة قلة من الناس على الجانبين.

وعندما أتحدث هنا عن الدولة، فأنا أعني البنية الضامنة لحقوق المواطنين، والآلية التي تتجاوز الأشخاص. هذه هي الآلية التي ينبغي مساءلتها وتحسينها.

أنا لا أريد أن أسلب أحدًا الأمل. فالأمل يساعد الإنسان على الصمود، وأنا أقر بذلك وأحترمه.

ما أريده هو أن يتوقف الأمل عن أن يكون سلعة مدفوعة الثمن، وأن يؤدي أخيرًا إلى مكان ما.

لا نحارب الأمل الزائف بالسخرية منه، بل نجعله غير ضروري: مركز صحي يقدم خدماته بصورة صحيحة، ومدرسة توفر تعليمًا ذا جودة، ووظيفة في نهاية مسار التكوين، وقانون ضد الاحتيال يطبق على الجميع بلا استثناء بسبب لقب أو مكانة.

وفوق ذلك، إجراء محدد وواضح: حظر الممارسات الخطرة على المجتمع.

 

 

وفي الختام، أطلب من كل واحد منا أمرًا بسيطًا:

حين يستعد شخص قريب منك لدفع المال مقابل معجزة، سواء جاءت من دجال أو من علبة مستوردة، فلا تسخر منه.

اطرح عليه الأسئلة، ورافقه نحو الطريق الأكثر صدقًا.

العيادة ليست كاملة. لكن هناك يمكن القياس، ويمكن اتخاذ القرارات بناءً على تلك القياسات؛ ويمكن أيضًا أن يقع خطأ أو حادث ـ وهو ما ينبغي التحقيق فيه.

أما عند الدجال، فالفشل ليس حادثًا.

إنه القاعدة التي لا ينجو منها إلا القليل.

 

3 أكتوبر 2026
محمدو سي

عالم رياضيات 

ترجمة أقلام

اثنين, 05/10/2026 - 21:59