ترسم الدول ومراكزها عادة معالم الأطراف والحدود، وتضع بصمتها على البلدات القصية والتخوم. أحيانا تتجاسر الأطراف النائية، فتعبث بما حولها من فضاءات. ونيورْ إحدى هذه البلدات التي ما فتئت تضع بصمتها على تاريخ الساحل، وتغير خرائط وحدود الدول البلدان.
في مملكة النمل، يمكن للإنسان أن يتعلم درسًا بليغا، ربما يكون من أهم الدروس التي يجب عليه أن يتعلمها؛ فالنمل يمتلك قدرة عجيبة ومدهشة في تحديد الجهد المطلوب لكل عمل، فلا يُهدر طاقته في توافه الأمور، ولا يتقاعس أبدا إذا ما واجه عملا عظيما يستحق البذل والتضحية.
بينما كانت مالي منشغلة بالمناورات الجيوسياسية الكبرى، كان سكان تمبكتو وغاوا وبوني وهومبوري وليرا يعيشون لسنوات تحت حصار لا أحد يتحدث عنه. اليوم، مع وصول موجة العنف إلى معبرَي كايس ونيورو التجاريين الحيويين على الحدود الموريتانية، أصبحت الصورة واضحة: الأزمة في الساحل وفي مالي خصوصاً لا تتراجع بل تتحول وتتمدد، على عكس ما يروّج له البعض.
كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن الحركات الصوفية في موريتانيا. فجأة صار التصوف عند بعض الدعاة تهمة توازي الشرك، وصار المريدون في نظرهم مجرد أتباع ضالين يضيعون أوقاتهم في “الغناء” و“الرقص”، وصارت الزوايا كلها بالنسبة لهم أوكارًا للدجل وبيع الأوهام.
في خضم الحرب المستمرة التي تخوضها بعض نخب التشظي ضد الدولة الوطنية، وفي ظل محاولات متكررة منها لتقويض ثقافة المواطنة، يعود الجدل العقيم حول الهويات الضيقة ليطفو على السطح من جديد. هذا الجدل، الذي ما كان له أن يُفتح أصلا، لو أن بوصلة النقاش وُجهت نحو القضايا الجوهرية التي تستحق فعلًا نقاشًا جادًا ومعمقًا في هذه المرحلة.
تُعدّ العبودية في موريتانيا من أبرز إشكاليات المجتمع الموريتاني،التي تراكمت عبر التاريخ، إذ ارتبطت ببنية اجتماعية هرمية كرّست التمييز الطبقي وأنتجت أشكالاً من التهميش والإقصاء.
يكفي أن نسترق السمع إلى نقاشات سمار الفضاء الرقمي الوطني في إحدى ليالي أيلول الساخنة، لندرك حجم المفارقة !
ففي بلد لا تنقصه الأحداث التي تزيح القلب عن مستقره: فقر مزمن، هشاشة في البنى التحتية، فساد ينخر المؤسسات .... نجد أنفسنا مأخوذين بنقاشات حول "هوية الحراطين".
موريتانيا أمانة في أعناق الجميع، ويتأكد دور "المثقفين" عن غيرهم، لأن السياسي بطبعه، يشبه التاجر في تصرفاته وسلوكه، كما يشبه رائد الأعمال في منهجه التسويقي، وهذا ليس بدعا في بلادنا، بقدر ما هو منهج درجت عليه النخب السياسية العالمية، منذ طغيان الطرح "الميكيافيلي"، على حساب المبادئ والقيم الوطنية، التي تبنتها قوى سياسية رغم اختلافها في التفكير والمنهج،