ما لم يذكره الزعيم البوركينابي النقيب إبراهيم تراوري

أدلى الزعيم البوركينابي إبراهيم تراوري خلال الأيام الماضية بتصريحات أثارت جدلا واسعا. ادعى تراوري أن سكان القارة السمراء عانوا من الاستعباد من قِبل العرب لأكثر من ألف سنة متتالية وأضاف في خطابه أن "آخر سوق للعبيد (في هذا السياق) لم يُغلق إلا في عام 1962".
وقبل مناقشة هذه التصريحات من زوايا أخرى لا بد من الوقوف عند بعض مظاهر المنهج السياسي لإبراهيم تراوري، فهو قائد شاب تبنى أفكارا ثورية متمردة على السيطرة الفرنسية والهيمنة الغربية عموما في سياق الاعتزاز بالهوية الإفريقية.
وهو بهذا النهج يراه بعض مواطنيه امتدادا لنهج الزعيم البوركينابي المشهور توماس سنكارا الذي اغتيل في نهاية العقد التاسع من القرن الماضي واتهمت المخابرات الفرنسية، حسبما تذكر بعض المصادر، بالضلوع في اغتياله.
ويؤكد بعض المحللين وجود أوجه تشابه بين الزعيمين من أبرزها:
-مناهضة الاستعمار: تبنى كلاهما سياسات مستقلة والصدام مع القوى الغربية، لا سيما فرنسا، والسعي الحثيث نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي والتنمية الوطنية.
• وعلى مستوى المظهر، يرتدي إبراهيم تراوري القبعة الحمراء التي اشتهر بها سانكارا،
• ويتشابهان كذلك في التدابير التقشفية، فقد تبنى تراوري قرارات مشابهة لسياسات سانكارا عبر التنازل عن أجزاء من رواتبه وامتيازاته لدعم الدولة والمحتاجين.
كما أعاد تراوري الاعتبار لسانكارا من خلال إحياء ذكراه ونقل رفاته إلى نصب تذكاري رسمي في العاصمة واغادوغو.

 

 

مواقفه ضد فرنسا

تتسم مواقف النقيب إبراهيم تراوري، بـالعداء الصريح للنفوذ الفرنسي، حيث قاد قطيعة تاريخية واستراتيجية مع باريس شملت إنهاء الاتفاقيات العسكرية في يناير 2023 وطرد القوات الفرنسية وقطع العلاقات الدبلوماسية لاحقا.
كما ألغى تراوري امتيازات تعدينية لشركات غربية، وأقر سياسات وطنية تلزم الشركات الأجنبية بنقل المهارات ومنح الدولة حصصاً مباشرة لضمان استفادة الشعب من ثرواته، خصوصا الذهب.
وكأن إبراهيم تراوري بهذا التحدي الواضح لفرنسا يحاول تطبيق مقولة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي سئل عن كلمة "فرنسا" هل تنطق بفتح الفاء (فَرنسا) أو بكسر الفاء (فِرنسا)؟فأجاب بقوله:
«اكسروها كسرها الله».
هذا مدخل ضروري لفهم التوجه العام للرجل ورصد خروجه عما ألفه القادة الأفارقة من الخضوع لفرنسا والتبعية لها.
وإذا كانت هذه صفحة من الجانب القوي للرجل فإن تصريحه عن "ألف سنة من استرقاق العرب للبركنابيين" وتحامله على الطلاب البركنابيين الذي يدرسون الشريعة في البلاد العربية يمثل صفحة أخرى لا تنسجم مع مواقفه الثورية ضد الهيمنة الإمبريالية.
فمن الغريب أن يتحدث رئيس دولة عن ظروف حصلت
قبل سنوات طويلة ولم تعد موجودة في هذا العصر.
فإن صح ما ذكره النقيب إبراهيم فإن الذين "استعبدوا البوركنابيين او الأفارقة"، على حد تعبيره، خرجوا من هذه الدنيا، ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أما أجيال اليوم فلا تتحمل أي مسؤولية عن أحداث الماضي (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
وإذا صح أيضا ما ذكره النقيب فإنه يتعلق بشريحة معينة من العرب والبربر وليس كل العرب..

 

فلم التعميم والتشهير بكل العرب؟

ولكن ما لم يذكره النقيب هو أن المصادر التاريخية تقول إن بعض القبائل الإفريقية القوية كانت تغير على قبائل إفريقية أخرى وتأخذ أبناءها بالقوة وتبيعها لبعض القوافل العربية البربرية.
وما تجاهله او تجاوزه النقيب أن ظاهرة الرق كانت شائعة بين شعوب الدنيا عبر التاريخ بما في ذلك الشعوب الإفريقية التي كان الاسترقاق منتشرا في حياتها الاجتماعية.
العلاقات مع العرب في العصر الحديث
ذكر النقيب إبراهيم أن العرب استرقوا الأفارقة لكنه لم يذكر شيئا عن العلاقات البوركينابية العربية في العصر الحديث ولا عن الدعم العربي لبلاده.
على مستوى العلاقات الدبلوماسية يوجد ما لا يقل عن سبع سفارات عربية في واجادوجو كما توجد سفارات لبوركينا فاسو في ستة بلدان عربية.
الدعم الاقتصادي والتنموي
تقدر التمويلات العربية التي تقدم لبوركينا فاسو (تمويلات تنموية وتجارية) من خلال المؤسسات والصناديق العربية، بأكثر من مليار دولار أمريكي.
ويعد الصندوق السعودي من أهم المؤسسات العربية الممولة لمشاريع للتنمية في بوركينا فاسو، فقد بدأ نشاطه في بوركينا فاسو منذ عام 1978م، حيث ساهم بتمويل وتنفيذ أكثر من 15 من المشاريع والبرامج الإنمائيا والمنح، بقيمة إجمالية تجاوزت 232 مليون دولار. وتشمل هذه المشاريع قطاعات التعليم، والصحة (مثل المرحلتين الأولى والثانية لمستشفى مانقا)، والمياه.
وكذلك البنك الإسلامي للتنمية وصندوق أبوظبي للتنمية والمصرف العربي للتنمية في إفريقيا، فقد مولت هذه المؤسسات عدة مشاريع تنموية في بوركينا فاسو.
أما على مستوى العمل الإنساني والخيري فقد بلغ إجمالي 
حجم دعم المنظمات والجهات العربية الرسمية والخيرية لدولة بوركينا فاسو أكثر من 19.6 مليون دولار شمل تنفيذ 39 مشروعا إنسانيا وتنمويا في مجالات الأمن الغذائي، والصحة والإيواء والتعليم المهني. ويتوزع هذا الدعم العربي الكبير 
عبر عدة جهات ومؤسسات رئيسية بارزة من أهمها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية الذي مول عددا من المشاريع الإنسانية: توزيع آلاف السلال الغذائية والأضاحي مع توقيع برامج تنفيذيّة مشتركة مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لتوزيع آلاف الحقائب الإيوائية وكذلك مشاريع التمكين الاقتصادي عبر توفير رؤوس الماشية وتدريب النساء على الخياطة لتحسين مصادر دخلهن.
أما جمعية العون المباشر الكويتية فتنشط بشكل مكثف في قطاعات المياه والتعليم، حيث نفذت العديد من المشاريع التي تضمنت إعادة تشغيل وتطوير العشرات من الآبار الارتوازية، إضافة إلى بناء وتجهيز مراكز التعليم المهني.
أفلا يشفع أحفاد العرب اليوم بهذا الدعم التنموي والاقتصادي والإنساني لأجدادهم الذين "استرقوا الافارقة" على حد تعبيره الزعيم تراوري؟.
ثم ما ذا يستفيد الرئيس تراوري من استعداء العرب الذين هم ضحايا مثله للهيمنة الغربية ؟
لكن تصريحات إبراهيم تراوري لم تقتصر على العرب وحدهم بل شملت البوركنابيين إذ أنه شن حملة على الدارسين باللغة العربية في بعض البلدان العربية و أعلن انه سيعيد حوالي 800 طالبا إلى البلاد ومن رفض العودة سيفقد جنسيته ووضع الأمر في سياق مواجهة "المتطرفين"، لكن ربما غاب عن الرئيس تراوري ، وهو المسلم الذي وصف بالاستقامة وأنه يوقف اجتماع مجلس الوزراء من أجل أداء الصلاة، أقول ربما غاب عنه أن نسبة المسلمين في بوركينا فاسو تبلغ حوالي 64% من إجمالي عدد السكان، مما يجعل الإسلام الديانة الأكثر انتشارا في البلاد.
وكذلك تشير الإحصائيات في بوركينا فاسو إلى وجود أكثر من 2500 مدرسة عربية إسلامية تدمج بين التعليم العربي والفرنسي. وتمثل هذه المدارس نسبة تقارب 70% من إجمالي المدارس الخاصة في البلاد، وتستوعب مئات الآلاف من الطلاب
وتشير بعض الإحصائيات إلى وجود أكثر من 500 مدرسة عربية إسلامية نظامية، إلى جانب عدد كبير من الكتاتيب التقليدية، التي تعقد في المساجد وتحت الأشجار. وتتجاوز أعداد تلاميذ هذه المؤسسات 400 ألف طالب وطالبة.
فهل يريد النقيب إبراهيم مضايقة أبناء بلده في دينهم وخياراتهم الثقافية؟
استقبال سفير دولة الاحتلال رغم استمرار
ترتبط بوركينا فاسو بعلاقات مع دولة الاحتلال منذ سنوات مثلها مثل عدد من الدول الافريقية لكن الاتحاد الافريقي استنكر الإبادة الجماعية في غزة ورفض منح عضوية مراقب لدولة الاحتلال ومع ذلك استقبل الرئيس إبراهيم تراوري خلال شهر يونيو الماضي سفير دولة الاحتلال الذي قدم أوراق اعتماده سفيرا لدى بوركينا فاسو، وذلك بعد قطع العلاقات مع فرنسا.
فإبراهيم يقطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا بسبب ماضيها الاستعماري في بوركينافاسو ويستقبل في الوقت ذاته سفير دولة احتلت أرض الفلسطينيين وطردتهم من أرضهم ومن لم تطرده تقتله وطورت الأمر إلى إبادة جماعية كما يحصل حاليا في غزة وأخشى أن ينطبق على الرئيس اتراوري المثل العربي: كالمستجير من الرمضاء بالنار.
فكيف يستقيم الوقوف ضد المستعمر الفرنسي والترحيب بالمستعمر الصهيوني؟
كما لم يسجل للرئيس اتراوري أي تصريح يدين الإبادة الجماعية في غزة.
بل أنه أظهر نوعا من عدم المبالاة عند سؤاله في مناسبات إعلامية سابقة إن كان يدعم إسرائيل أو فلسطين، فحرص ت على تحويل النقاش نحو المعاناة الإفريقية. وأشار إلى أن القارة السمراء تمتلك جراحها الخاصة من استعمار، وحروب، وأزمات منسية (مثل الأوضاع في السودان والصومال) التي يموت فيها الآلاف دون أن يلتفت إليها المجتمع الدولي.
وعن العلاقة بين دولة الاحتلال وبوركينا فاسو

 

يقول الكاتب البوركينابي محمد الأمين سوادغو:

(موقفي الشخصي من الكيان الصهيوني لم يتغيّر، نتبرأ منه، هو كيان مجرم محتل، مارس الإجرام على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الإسلامية، نعارض التطبيع معه، وتواجده في إفريقيا، لأنه يمثل قوة استعمارية ظالمة).
وأود التنبيه هنا إلى أن التعقيب على تصريح الرئيس البوركينابي لا يهدف إلى تسويغ ممارسة العرب للاسترقاق فالعرب مثل غيرهم من الشعوب تلبسوا بهذا الظلم الاجتماعي، كغيرهم من شعوب الارض، في سياق تاريخي معين يختلف عن سياقات حاضرنا اليوم واستدعاء جراح الماضي ليس من مصلحة بوركينا فاسو ويناقض منهج النقيب في بناء هوية إفريقية مستقلة والهوية العربية هي جزء أصيل من الهوية الإفريقية.

كما أنني لست محاميا عن العرب ولا ناطقا باسمهم لكني معجب بالنهج التحرري للزعيم اتراوري وأرجو أن لا يدنس
هذا النهج النبيل بعداوات مجانية مع أمة بأكملها وقبل ذلك مع أبناء وطنه من خلال استفزازهم في ممارسة شعائر دينهم والتضييق عليهم في تعلم لغة دينهم بحجة محاربة التطرف الذي عانت منه كثير من الدول الإسلامية ومنها بوركينا فاسو.
أرجو أن يركز الزعيم إبراهيم تراوري وفقه الله على مشروعه لمحاربة الهيمنة الغربية وترسيخ الهوية الإفريقية ولا يفتح معارك جانبية بين الأشقاء.

خميس, 23/07/2026 - 08:41