قرار المجلس الدستوري المتعلق بطلب إسقاط العضوية البرلمانية: مرافعة من أجل إدخال إجراء «صديق المحكمة» (amicus curiae) أمام القاضي الدستوري

يثير القرار رقم 03/2026 الصادر عن المجلس الدستوري والمتعلق بطلب إسقاط العضوية البرلمانية عن نائبين مسائلَ قانونية ودستورية بالغة الأهمية. ففضلاً عن حالة النائبين المعنيين، فإن منطوق القرار يؤكد دور المجلس كضامن للحقوق الأساسية وكفاعل رئيسي في الحياة الديمقراطية.

 

ويكتسي القرار أهمية مزدوجة: من حيث مسائل التفسير التي يثيرها من جهة، ومن حيث ما يكشف عنه من حاجات إجرائية مستجدة لدى المجلس الدستوري من جهة أخرى. وإذا كانت الملاحظات الموجزة التالية تنطلق من طلب إسقاط العضوية البرلمانية، فإنها تهتم أساساً بما تطرحه هذه الإجراءات، والقضايا المماثلة، من تحديات تتعلق بأساليب عمل المجلس وأدواته الإجرائية. 

 

وفي القضية المحالة إليه، توصل المجلس إلى قراره عبر تسبيب قابل للنقاش، تشوبه بعض أوجه القصور من الناحيتين الشكلية (أولاً) المضمونية (ثانياً). وبعيداً عن الحالة الخاصة للنائبين المعنيين، فإن تزايد طرح قضايا حساسة على المجلس، مشحونة بالرهانات الفردية والمؤسسية الجسيمة، يفرض إعادة التفكير في الأدوات الإجرائية للقاضي الدستوري (ثالثاً).

 

أولاً: من حيث الشكل:

 

• من اللافت للنظر أن المجلس لم يحدد، في حيثيات القرار وتعليله، هوية الجهة التي أحالت إليه طلب تأكيد إسقاط العضوية البرلمانية. صحيح أنه أشار إلى رسالة من وكيل الجمهورية لدى محكمة الاستئناف بنواكشوط الغربية، لكنه ذكرها فقط ضمن «الديباجة» (أي الجزء الذي يعدد فيه المجلس النصوص التي يعتمد عليها لدعم قراره)، وليس ضمن «التعليل» (أي الجزء الذي يعرض فيه المسوغات القانونية لمنطوق القرار). 

 

إن تحديد الجهة المحيلة للطلب أمر ضروري للتأكد من أن المجلس يمارس اختصاصه كقاضٍ لإسقاط العضوية، وليس من تلقاء نفسه. كما أن هذا التحديد يسمح للنواب المعنيين، وللجمعية الوطنية، وللفقه القانوني بإعادة بناء السلسلة الإجرائية. فضلاً عن كل ذلك يدخل في صميم اتساق قرارات المجلس في بنيتها، حيث درج في قراراته السابقة على ذكر الجهة المحيلة في الديباجة وكذلك في التعليل عند بحث قابلية الطلب شكلاً (انظر مثلاً القرار رقم 03/CC/2025 بتاريخ 13 أغسطس 2025).

 

• كما أشار إلى ذلك بعض المعلقين، استخدم المجلس مفاهيم «القرار القضائي النهائي» و«البات» و«غير القابل للطعن» وكأنها مترادفات تحيل كلها إلى نفس المعنى، وهو ما من شأنه أن يكرّس لبساً غير ضروري. ويُعزى هذا اللبس، جزئياً، إلى قانون العقوبات، حيث تستعمل النسخة الفرنسية من المادة 23 منه عبارة «إدانة باتة»، في حين تستعمل النسخة العربية صيغة «غير قابلة للطعن». ولم يكن ثمة ما يُلزم المجلس بإعادة إنتاج هذا الغموض الاصطلاحي، لا سيما أنه يتبنى عملياً مفهوماً قريباً من مفهوم «الحكم البات»، من خلال اشتراط استنفاد الطعن بالنقض.

 

ثانياً: من حيث المضمون: بين التفسير الضيق والحماية الفعلية للحقوق الأساسية

 

• اعترض البعض على قرار المجلس معتبرين أنه كان ينبغي أن يكتفيَ بتسجيل الإخطار الوارد إليه و، بناءً عليه، تأكيد إسقاط عضوية النائبين على أساس أن الإجراءات الجنائية الموريتانية مستقرة، في نظرهم، على أن الطعن بالنقض لا يوقف التنفيذ. ويرون أن المجلس، بابتعاده عن هذه الممارسة، قد تدخل في تقييم، بل مراجعة قرار قضائي وارتكب، بذلك، تجاوزاً في استعمال السلطة.

 

• يمثل هذا الطرح تفسيراً تقييدياً أو ضيقاً لاختصاصات المجلس من جهة، ولطبيعة الصلاحية التي كان يمارسها في هذه الحالةمن جهة أخرى. وهو تفسير لا يستند إلى نص واضح من قوانيننا ولا إلى اجتهاد قضائي مستقر. وفي مقابل هذا التفسير، اعتمد المجلس، وعن حق، مقاربة تقوم على الحماية الفعلية للحقوق الأساسية.

 

• إن تأكيد إسقاط العضوية البرلمانية ليس مجرد إجراء شكلي أوآلي. فحتى لو كان التأكيد عملاً كاشفاً لا منشئاً، فإنه يظل قراراً قضائياً يؤدي عملياً دوراً حاسماً في تفعيل الآثار المؤسسية لإسقاط العضوية البرلمانية. ولهذا يتعين على المجلس: (1) تحديد القواعد القانونية الواجبة التطبيق، وهو ما قام به دون شك؛ (2) تكييف الوقائع (طبيعة الإدانة، مدى نهائيتها، ووضعية العضوية)؛ (3) إجراء عملية الإدماج القانوني (التحقق من انطباق الوقائع على التكييفات القانونية التي تفضي إلى عدم الأهلية ثم إلى إسقاط العضوية)؛ وأخيراً (4) الوصول إلى منطوق القرار (تأكيد إسقاط العضوية أو رفض الطلب).

 

• في الواقع، تتركز الانتقادات التي وجهت لقرار المجلس على المرحلة الثانية من هذا التعليل، أي عدم تأكيد الطابع النهائي للإدانة. إذ يبدو أن الممارسة القضائية درجت على اعتبار أن الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة عن محاكم الاستئناف في المادة الجنائية لا يوقف التنفيذ.

 

• وهي ممارسة قرر المجلس مراجعتها. وتجدر الإشارة إلى أن الأمر يتعلق ب"ممارسة" لا تستند إلى نص صريح وواضح، وهو أمر غالباً ما يُغفل في النقاش الحالي. ومن الناحية التحليلية، يمكن القول إن المجلس إنما أصدر في الواقع قراراً بتأجيل البت في الموضوع لحين صدور حكم المحكمة العليا. ويذكّر هذا الأسلوب، مع مراعاة الفوارق، بتقنية «القرار على مرحلتين» التي استخدمها المجلس ذاته في بداياته (انظر مثلاً القرار رقم 001/DC المتعلق بالنظام الداخلي لمجلس الشيوخ (1) بتاريخ 14 و16 و20 يونيو 1992، والقرار رقم 002/DC المتعلق بالنظام الداخلي للجمعية الوطنية (1) بتاريخ 17 و22 يونيو 1992).

 

• وحتى لو كان الأثر غير الموقِف للطعن بالنقض منصوصاً عليه صراحة، فإن ذلك لا يمنع المجلس من تغليب متطلبات حماية أكثر صرامة للعضوية البرلمانية. وفي هذا الصدد، لا تُعد مقاربة المجلس معزولة، إذ نجد منطقاً مشابهاً في أنظمة أخرى، ومنها ما اعتمده المجلس الدستوري الفرنسي في قضية «Flosse».فعلى الرغم من الحكم على البرلماني المعني بعقوبة عدم الأهلية مقرونة بالتنفيذ المعجل، قرر المجلس، بسبب الطعن بالنقض، تأجيل البت في إسقاط العضوية (القرار رقم 2009‑21 S/D بتاريخ 22 أكتوبر 2009). ولم يُقِرّ الإسقاط إلا بعد صدور حكم محكمة النقض الذي أكد نهائية الإدانة (القرار رقم 2014‑22S/D بتاريخ 16 سبتمبر 2014).

 

• ويبدو أن المأخذ القانوني الأكثر وجاهة لا ينصب على منطوق القرار 03/2026، بل على تسبيبه، أي على البناء القانوني الصريح للحجج. فقد كان بإمكان المجلس (بل وربما كان ينبغي عليه) أن يقوم بأمرين: أولاً، توصيف وتوضيح ما يقوم به، أي تأكيد اختصاصه الوظيفي الكامل كقاضٍ لإسقاط العضوية ضمن صلاحياته النصية التي لا شك فيها؛ وثانياً، تأسيس منطوق قراره أيضاً على القواعد الدستورية ذات الصلة.

 

• وعلى الرغم من أن المجلس يتمتع باختصاصات محددة على سبيل الحصر، فإنه لم يخرج هنا عن هذه الاختصاصات ولا عن دوره: فباشتراطه أن يكون الحكم «باتاً» لإسقاط العضوية، يكون قد مارس ب"الكامل" مهمته في تنظيم الحياة المؤسسية من خلال التوفيق بين حماية التمثيل الديمقراطي ومتطلبات الأمن القانوني.

 

• وكان بإمكان المجلس الوصول إلى النتيجة ذاتها بالاستناد إلى القواعد الدستورية ذات الصلة -وإن كانت ضمنية في قراره- وهو ما كان سيجنبه كثيراً من الانتقادات والمآخذ. كان بوسعه، مثلاً، أن يقرر أنه، بالنظر إلى طبيعة العضوية البرلمانية باعتبارها أداة لممارسة السيادة الشعبية، ومنبثقة عن الاقتراع العام، وركناً أساسياً في الرقابة الديمقراطية على الحكومة، فإن تقرير إسقاطها يجب أن يُحاط بأعلى الضمانات القانونية، ولا يمكن أن يستند إسقاطها إلا إلى حكم قضائي أصبح باتاً. فوحدها هذه الدرجة من الاستقرار والأمن القانوني تصون سلامة التمثيل الوطني، وفعالية الرقابة البرلمانية، وثقة المواطنين في الحياة الديمقراطية. وبذلك يكون المجلس قد أعطى الأثر اللازم لمبادئ دستورية أساسية (لا سيما المواد 2 و50 و72 و74) وبنى منطوق قراره على أساس صلب لا يرقى إليه التشكيك.

 

• وفي المحصلة، تكشف قراءة القرار 03/2026 عن تصور يقوم على "كامل" الاختصاص الوظيفي للمجلس في ممارسة مهمته كقاضٍ لإسقاط العضوية البرلمانية، وهو تصور قد يعكس في الوقت نفسه إرادة المجلس في الاضطلاع بكامل دوره كمنظّم للمؤسسات وحامٍ للحقوق، حتى لو اقتضى ذلك انتهاج طريق تفسيري غير سلس، وقد يكون محل نقاش، في مسائل تتعلق بالقانون الجنائي والإجراءات.

 

• غير أن هذا القرار يتجاوز مصير النائبين المعنيين. فهو يعكس تحولاً أعمق في وظيفة المجلس الدستوري الذي أصبح مدعواً للفصل في مسائل تتداخل فيها قواعد القانون الدستوري، والقانون الجنائي الموضوعي والإجرائي، وضمانات الحقوق الأساسية، وتوازن المؤسسات. وهو تطور طبيعي ومتوقع في حياة أي قضاء دستوري. غير أن هذه النزاعات غالباً ما تكون مشحونة بمصالح فردية وسياسية ومؤسسية جسيمة، وتطرح مسائل قانونية معقدة للغاية، في حين يتعين على المجلس أن يفصل فيها ضمن آجال زمنية قصيرة جداً. ويمكن الإشارة، على سبيل المثال، إلى الأسئلة الدستورية المتعلقة ببعض جوانب حصانة رئيس الجمهورية، أو طلبات الرأي المرتبطة بانقلاب 2008 (حيث أقر المجلس شغور منصب رئيس الجمهورية عقب «استقالة» شخص لم يكن رئيساً للجمهورية أصلاً، وناقض نفسه بإصدار قرار آخر بالشغور عند استقالة الرئيس "الحقيقي"). وتندرج مسألة إسقاط العضوية الحالية ضمن سياق نفس القضايا التي تثير أسئلة معقدة وتتطلب تعليلا وتفسيرا مترويين.

 

- وكلما ازدادت هذه القضايا تعقيداً، كلما أصبحت جودة العدالة الدستورية رهناً ليس فقط بالحلول المعتمدة، بل أيضاً بالظروف التي تُعدّ وتُعلّل فيها. ومن ثم، لا يمكن أن يقتصر النقاش على مدى صواب القرار، بل يقود بطبيعة الحال إلى التساؤل حول الأدوات الإجرائية القادرة على إنارة القاضي الدستوري، وفي مقدمتها إجراء «صديق المحكمة» (amicus curiae). 

 

ثالثاً: نحو إدخال إجراء «صديق المحكمة» أمام المجلس الدستوري

 

• من أجل مقاربة أكثر فاعلية، يمكن للمجلس أن يحسن بشكل ملحوظ جودة عمله ويجعله أكثر استنارة من خلال اعتماد إصلاح إجرائي بسيط يتمثل في إدخال إجراء «صديق المحكمة». ويمكن اعتماد هذا الإجراء عبر تعديل بسيط للنظام الداخلي للمجلس، دون الحاجة لا إلى تعديل النص الدستوري ولا إلى سن تشريع جديد.

 

• ويُعد مصطلح amicus curiae، وهو تعبير لاتيني يعني «صديق المحكمة»، إجراءً يسمح لأخصائيي القانون وكذلك للمنظمات غير الربحية بتقديم عناصر معرفية قانونية أو واقعية بشأن مسألة تقنية ينظر فيها المجلس. وتندرج هذه المساهمات ضمن المصلحة العامة، إذ تقتصر على اعتبارات قانونية عامة تهدف إلى إنارة القاضي، ولا تنطوي على تقييم لملف القضية. ويمكن للمجلس أن يطلب هذه المساهمات حسب كل حالة أو أن يجعلها إجراءً مفتوحاً ومنتظماً. وفي جميع الأحوال، تظل هذه الآراء ذات طابع استشاري، ولا يلزم المجلس لا بالأخذ بها ولا حتى بالإشارة إليها.

 

• ولا يقتصر أثر هذا الإجراء على إنارة المجلس، بل إنه يسهم أيضاً في تمكين المواطنين من التملك الفعلي للدستور الذي يكفل حقوقهم وحرياتهم. فمن خلال إشراكهم في النقاشات المتعلقة بتفسير وتطبيق الأحكام الدستورية، يكتسب المواطنون وعياً بالدستور واستعداداً للدفاع عنه عند الحاجة.

 

• وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن إجراء «صديق المحكمة» شائع في المنازعات الدستورية وقضايا الحقوق الأساسية. وعلى الرغم من جذوره في تقاليد القانون الأنجلوساكسوني، فإنه معمول به في معظم الهيئات القضائية الدولية وفي عدد من الأنظمة المقارنة. ففي فرنسا مثلاً، ظهرت هذه الممارسة منذ ثمانينيات القرن الماضي، أولاً عبر الممارسة العملية، ثم عبر الاجتهاد القضائي، قبل أن يتم تقنينها. وهي منصوص عليها اليوم صراحة أمام المجلس الدستوري (المادتان 10 و12 من نظامه الداخلي)، ومجلس الدولة والمحاكم الإدارية (المادة R. 625‑3 من قانون القضاء الإداري)، والمحاكم التابعة للقضاء العادي (المادة 27 من قانون الإجراءات المدنية)، وكذلك محكمة النقض (المادة L. 431‑3‑1 من قانون التنظيم القضائي).

 

• كما تُمارس هذه الآلية أمام المحاكم العليا في المنطقة، لا سيما في القضايا المتعلقة بالحقوق الأساسية، مثل السنغال وبوركينا فاسو وكوت ديفوار. وقد استُخدمت أيضاً في تونس، ولا تزال قائمة، وإن في مجالات أكثر دقةً، في كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر والمغرب.

 

وبالنظر إلى التعقيد المتزايد للمسائل الدستورية المعروضة على المجلس، والطابع النهائي والملزم للجميع لقراراته، ومحدودية عدد المختصين الوطنيين في القانون الدستوري، وأهمية أن تكون العدالة الدستورية مُستنيرة وذات مشروعية وفعالية، وأن يُنظر إليها على أنها كذلك بالفعل، يبدو من الملح إجراء هذا الإصلاح، الذي لا يتطلب سوى تعديل بسيط للنظام الداخلي للمجلس الدستوري.

 

 

عمر ولد دده ولد حمادي

 

أربعاء, 22/07/2026 - 22:41