لوثة الاستحواذ عند العرب

ثمة ظاهرة يصعب تجاهلها عند مراقبة سلوك كثير من النخب العربية، فالأمير أو رجل الأعمال أو المسؤول النافذ لا يكتفي غالباً بما يملك داخل وطنه، بل يسعى إلى اقتناء عقارات ومزارع ومنتجعات في بلدان بعيدة. كأن الأرض المحلية لا تمنحه شعوراً كاملاً بالأمان أو الاكتفاء، وكأن الملكية الحقيقية هي دائماً تلك الموجودة خلف الحدود.

ولعل أكثر الأمثلة دلالة على ذلك أن بعض مظاهر النفوذ العربي المعاصر لم تعد تقتصر على امتلاك العقارات الفاخرة في العواصم الغربية، بل امتدت إلى امتلاك جزر ومجالات كاملة. ومن المفارقات اللافتة أن الجزيرة السويسرية التي تستضيف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة هذه الأيام تعود ملكيتها إلى العائلة الحاكمة في قطر.

وعندما نتأمل التاريخ الإسلامي المبكر نجد أن الدولة التي نشأت في الجزيرة العربية لم تمكث طويلاً داخل حدودها الأصلية. ففي غضون عقود قليلة فقط انتقلت إلى الشام والعراق، ثم الأندلس، ولم يكن ذلك مجرد توسع سياسي، بل كان انتقالاً انتجاعياً لمراكز الثقل. فالعاصمة خرجت من المدينة إلى دمشق، ثم إلى بغداد، ثم إلى مراكز أخرى بعيدة عن موطن الانطلاق الأول.

ولم يقتصر الأمر على الفتوحات السياسية الكبرى، بل تكرر النمط نفسه في موجات الهجرة العربية اللاحقة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر وما تلاهما، مما يؤكد ميلاً تاريخياً متكرراً نحو البحث عن آفاق جديدة خارج المجال الأصلي، حتى عندما لا تكون هناك ضرورة وجودية ملحة لذلك.

وفي المقابل، نجد حضارات أخرى حافظت قروناً طويلة على مركز جغرافي ثابت نسبياً، فالصين لم تبحث عن وطن بديل خارج مجالها التاريخي، بل ظلت تبني نفسها جيلاً بعد جيل بين النهر الأصفر ونهر اليانغ تسي، وإيران أو فارس بقيت مرتبطة بالهضبة الإيرانية مستقرة فيها لا تريم مع تتابع القرون، وتركيا الحديثة ما زالت تنظر إلى الأناضول بوصفه مركز وجودها الأساسي مهما اتسعت طموحاتها الإقليمية.

ولعل الفرق يكمن في طبيعة المجال الذي تشكلت فيه كل حضارة. فالمجتمعات الصحراوية والرعوية تنشأ غالباً في فضاءات مفتوحة قليلة الحواجز، حيث تصبح الحركة والانتقال جزءاً من الثقافة؛ أما المجتمعات الزراعية المستقرة فتبني علاقتها بالحقول والأنهار والقرى عبر قرون طويلة من التراكم، فتتشكل رابطة عضوية بين الإنسان والأرض.

ومن هنا يمكن فهم مفارقة عربية قديمة وحديثة، فالعربي كثيراً ما يمتلك قدرة استثنائية على الانتشار والاندماج في بيئات مختلفة، لكنه في الوقت نفسه قد يجد صعوبة في بناء علاقة نهائية ومستقرة مع مكان واحد.

ولعل هذا ما يفسر أيضاً ظاهرة اقتناء العقارات في العواصم الأجنبية اليوم، وما يعكسه من شعور بأن الأرض ليست وطناً بل مخزناً مؤقتاً للقيمة يمكن استبداله بأراضٍ أخرى إذا اقتضت الظروف.

لكن هذا الميل يحمل ثمناً باهظاً. فالأمم القوية لا تُبنى فقط بالقدرة على الحركة خارج المجال، بل بالقدرة على التجذر؛ فالأرض ليست مجرد أصل اقتصادي، بل هي ذاكرة جماعية ومصدر للهوية والثقة والاستمرارية، وحين تتحول إلى سلعة قابلة للاستبدال بسهولة، يضعف الشعور بالمصير المشترك.

لقد كانت ميزة العرب التاريخية هي في قدرتهم على تجاوز الحدود وبناء شبكات واسعة من التواصل والتجارة والثقافة. لكن التحدي في القرن الحادي والعشرين قد يكون مختلفاً. فالسؤال لم يعد كيف نصل إلى أراضٍ جديدة، بل كيف نصنع علاقة أعمق بالأرض التي بين أيدينا.

 

اسماعيل محمد خيرات

أربعاء, 24/06/2026 - 12:15