النسخ الخطية للمصاحف الشريفة في مكتبات شنقيط

كنا في مقالات عديدة قد تحدثنا عن المخطوطات في مدينة شنقيط، تلك التي تخصصت في علوم معينة، وبينا ساعتها ما تمتاز به المدينة من تلك النوادر، اليوم يصل بنا الحديث إلى أغلى ما يمتاز به المسلم في حياته الدنيوية ألا وهي قراءة كلام الله تبارك وتعالى ضمن المصاحف الشريفة، وقد امتلأت بها رفوف خزائن المخطوطات خاصة وعامة، بل إنه يكاد يكون كل فرد من أفراد مدينة شنقيطيحتفظ بمصحفه الشريف الخاص به، غير أن الناظر إلى جملة المصاحف يجدها منسوخة بالقلم المغربي المتعارف عليه في مغربنا العربي، مع خصوصيات لبلاد شنقيطحيث أنك تجد نساخا متخصصين في نسخ المصاحف أو ما قارب ذلك، مما وفر لكل دار مصحفها الخاص بها.

لقد كانت مطالعتي للمجموعة المرقمنة لمخطوطات شنقيطمن طرف البرنامج الإسباني، والتي وثقت منها مجموعة،وكتبت لها مقدمة، كفيلة بتزويدي بنسخ نادرة لبعض المخطوطات وعلى رأسها نسخة من مصحف شريف، لها خصوصيتها وجمالها الأخاذ فأردت أن أتحف بهاالمهتمين بالتراث المخطوط في المدينة، وكذا المتخصصين في دراسة النسخ الخطية للمصاحف، وهو فن امتاز بهبعض الدارسين العرب الذين خبروا ذاك عند العرب والمسلمين.

هذه النسخة تمت رقمنتها ضمن مخطوطات مكتبة أهل اعل البخاري، وهي نسخة غير مكتملة، سواء بدايتها أو نهايتها بقليل، مما أدى بغياب أشياء مهمة من حيث التعرف على الناسخ أو تاريخ النسخ أو مكان النسخ، كما أصيبت بخروم في بعض الأماكن، بسبب فعل الأرضة،والظاهر أنها مجلوبة من خارج المدينة، وأعتقد أنها وصلت إليها عن طريق الشراء في مدينة مشرقية، ذلك يظهر من خلال كتابتها بخط الثلث حيث كتبت البسملة بهذا الخط النادر، وكتب النص الآخر بخط النسخ، ثم إن هذه النسخة مذهبة بشكل بديع، حيث تنتهي كل آية بنقش ذهبي، وعلى الهوامش رسمت أشكال مذهبة كتب فيها على سبيل المثال "الجزء السابع عشر"، وكتبت التعريفات للسور بقلم مذهب رائع. كما امتازت هذه النسخة بغياب التعقيبة مما يحيل على ندرتها وقدمها، حيث كانت التعقيبة أو أرقاص بمصطلح آخر ضرورية لمعرفة تتابع الصفحات، وهي فنيات معروفة في عصور معينة من التدوين الثقافي العربي. ينضاف إلى ذلك أن النسخة مرقمة بترقيم خاص وهو أن الرقم يعطى لصفحتين اثنتين، لا صفحة واحدة، وقد بلغت ورقاتالنسخة ما يقارب 190 أي 280 صفحة من الورق السميك، وتظهر على بعض الصفحات عمليات الترميم المتقنة. ومن آيات الروعة والجمال كتابة الناسخ لسورة الإخلاص بخط الثلث، حيث بدت السورة مخالفة لخط النسخ في السور الأخرى، وذلك بأخذها حيزا كبيرا بلغ صفحة كاملة نتيجة لذلك التفنن في الخط.

إن هذه النسخة تعتبر تحفة نادرة من تحف المخطوطات التي تمتاز بها مكتبات مدينة شنقيط، حيث التنوع والجمال الهندسي في الكتابة، والأشكال الفنية الفريدة التي غطت حواشيها، وخطها الذي امتازت به مخطوطات المصاحف عند ملوك العرب في المشرق العربي وغيرهم، رحمة الله على من أتى بها إلى هذه المدينة العتيقة، ومن حرسها وأمنها إلى أن وصلت إلى أيدينا ومكتباتنا، ونشكر لمن رقمنها وجعلها تحفة متداولة بين من يقدرون فن الخط العربي وجماله وروعته لمن يعتبر.

 

إسلم بن السبتي

أستاذ بالمدرسة العليا للتعليم

ثلاثاء, 23/06/2026 - 16:53