توبة بعض السلفيين الموريتانيين تحول مهم ضمن مسار طويل ومعقد 

تداولت وسائل الإعلام هذه الأيام بيانا وقعه، على حسبما ذكر، 14 سجينا من السجناء السلفيين جددوا فيه توبتهم من كل الأخطاء وأعلنوا فيه تمسكهم بأقوال أهل العلم والتزامهم بالحفاظ على أمن البلد.
والتزم السجناء، حسب البيان، بالحفاظ على أمن جميع من في البلد بما في ذلك زواره والمقيمون فيه وولاة أمره والقائمون على حفظ أمنه.
وأفرجت السلطات الموريتانية عن السجناء السلفيين المشمولين في العفو الرئاسي الذي أصدره الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
وقال رئيس لجنة الحوار مع سجناء الغلو والتطرف، الشيخ محمد المختار ولد أمباله، (إن الحوار الفكري لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير قناعات جميع المشاركين فيه، موضحاً أن نتائج هذا المسار تختلف من شخص إلى آخر بحسب الاستعداد للمراجعة ومدى الاقتناع.

وأضاف أن مسار الحوار الذي تعتمده الدولة في هذا الملف ليس جديداً، بل يمتد منذ قرابة عقدين، وحقق خلال مراحله السابقة نتائج وصفها بالملموسة والمعروفة).
أما الشيخ محفوظ ولد الوالد، عضو لجنة الحوار مع سجناء الغلو والتطرف، فقد ذكر أن (المواقف التي عبّرت عنها اللجنة تستند إلى بيان سابق أصدره العلماء قبل نحو شهر ونصف، وإلى مادة تأطيرية بثت قبل صدور مرسوم العفو بنحو ثلاثين ساعة، وأوضح ولد الوالد أن المقاربة الحالية لا تمثل إجراءً معزولاً، بل تأتي ضمن مسار متكامل شاركت فيه مختلف الجهات المعنية).
إن عفو رئيس الجمهورية عن السجناء التائبين يعد لفتة طيبة لاحتواء السجناء التائبين تمهيدا لإدماجهم في المجتمع أعضاء صالحين نافعين، فمن تاب تاب الله عليه، وهم يستحقون التشجيع على ذلك، نسأل الله لهم الثبات وعدم الانتكاس. 

كما يحسب هذا الجهد وهذه النتيجة للجنة العلماء التي حاورت السجناء خدمة للأمن الفكري في بلدنا وسلمه الاجتماعي.. 
لكن الصورة تحتاج إلى النظر من زوايا أخرى لأنها أكثر تعقيدا وصعوبة من مجرد مراجعة لأفكار بعض السجناء.
اول ما ينبغي استحضاره في هذا الباب هو حقوق الشهداء، الذين سقطوا غيلة وغدرا وهم يدافعون عن الوطن وأبنائه، وحقوق ذويهم وكل الموريتانيين من ذويهم .
فهل تلبس هؤلاء السجناء بطريقة او أخرى بدماء هؤلاء الشهداء رحمهم الله؟ 
الأصل أن الدولة ولجنة العلماء لم يغب عنهم ذلك وإن كان الأمر يحتاج إلى توضيح للرأي العام.

 

 

بين السلفية التكفيرية والتفجيرية

انخرط، مع الأسف الشديد، بعض ابنائنا في مسالك الغلو الذي يبدأ بالحماس غير المنضبط بزعم "نشر التوحيد ومحاربة الشرك وتصحيح العقائد" ثم يتطور الأمر إلى تبديع وتفسيق وتكفير لنصل إلى التفجير وإراقة الدماء المعصومة..
ولما انكشف أمر هؤلاء بعدما أثبتوا عقوقهم لبلدهم وتعاملت معهم الدولة بالأساليب الفكرية والأمنية ربما يظن بعضنا أن الأمر انتهى وكأن المشكلة هي مع أربعة عشر من السجناء او عشرات من المتشددين غير أن الأمر ليس بتلك البساطة.

 

 

السلفية التنظيرية التكفيرية

 
اذا كانت الدولة عالجت بعض نتائج أعمال السلفية التكفيرية التفجيرية فإن الأمر قد لا يكون كذلك بالنسبة للسلفية التنظيرية التكفيرية - (التي تدعي انها سلمية الوسائل والاهداف) - وهي التي أنجبت عن قصد او عن غير قصد السلفية التفجيرية الدموية.
واقول ابتداء بأنني لا اتهم كل شيوخ السلفية المتشددة بأنهم يحرضون على التفجير وسفك الدماء لكن دروسهم وسلوكهم وطرائق تعاملهم مع المخالف، او بعضهم على الاقل، قد يغرر ببعض الشباب من خفيفي الزاد العلمي ومضطربي التربية والسلوك إلى الانحراف الفكري الذي هو أسهل الطرق إلى ممارسة التفجير والتدمير بعد التشبع  بعقائد التكفير بعد تجاوز مراحل التبديع والتفسيق.
وساستعرض هنا بعض الأسس والمناهج التي تتبناها وتطبقها السلفية المتشددة التي قد تسهم في بناء بيئة تكفيرية تفجيرية:
- احتكار الحق والصواب
- احتكار صفة اهل السنة
- احتكار صفة الفرقة الناجية
- الأصل عندهم أن اغلب اهل هذه البلاد  اهل شرك أصغر او اكبر وأهل تقليد وجمود..
- التمرد على ما كان عليه سلف هذه البلاد من مناهج عقدية وفقهية وتزكية..
- شن حرب شعواء على العقيدة الأشعرية وعلى التصوف والحكم بمخالفتهما للكتاب والسنة بل واعتبار التصوف ديانة منفصلة لا علاقة لها بالإسلام 
- اتباع منهج الفرز والتصنيف لطوائف وفرق المسلمين فهذه فرقة ضالة وهؤلاء اهل زندقة وتلك فرقة مبتدعة وتلك تعبد القبور ..  
- احتكار اتباع السلف من اهل القرون المزكاة. 
- توسيع مفهوم البدعة حتى لا ينجو اي احد من أبناء هذه البلاد من صفة الابتداع..
- الحرب على المذهب الفقهي السائد بحجة الدعوة للعودة للكتاب والسنة .
- الغلظة والخشونة في الخطاب والادعاء بأن ذلك من منهج السلف مع "المبتدعة".
- التشهير بأعلام وعلماء هذه البلاد الأحياء منهم والأموات وسوء الأدب معهم تحت لافتة التحذير من اهل البدع.. 
- التكفير الصريح او باللاوازم، وإذا نبهوا على خطورة التكفير   استخدموا بعض الحيل المراوغة: نحن لا نكفر معينا وإنما نقول هذا قول كفري او هذا فعل كفري...
- لا مجال عندهم للمسائل الخلافية بين اهل العلم سواء في العقائد او في الفقه 
ومن أغرب مناهج السلفية ادعاؤهم أنهم ليسوا طائفة ولا فرقة ولا مذهبا بل يرون أن السلفية هي منهج لاتباع السلف في القرون المزكاة ومع ذلك اختاروا من سائر أئمة الأمة عددا من الأجلاء يعدون على الأصابع: أحمد بن حنبل من القرن الثاني الهجري وابن تيمية وتلميذه ابن القيم من اهل القرن الثامن الهجري وربما أضافوا ابن رجب ثم يقفزون إلى القرن الحادي عشر الهجري لإضافة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ثم يضيفون بعض الشيوخ من العصر الحديث مثل الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني،  أما باقي أئمة الإسلام سلفا وخلفا فتنصب لهم محاكم تفتيش للتأكد من "صحة عقيدتهم".
وإن تواضعوا قليلا تصدقوا على بعض أكابر أئمة الإسلام فالحقوهم بأهل السنة "فيما وافقوا فيه اهل السنة" حسب تعبيرهم، كما هو الحال في موقفهم من الإمام النووي وابن حجر مثلا.. 
وهذه مجرد أمثلة من منطلقات السلفية المتشددة..
إن ثمرة هذا المنهج هي في الغالب تسفيه ما كان عليه علماء اهل هذا البلد وازدراؤه والسعي لاستبداله باجتهادات جاءت من خارج الحدود ..
وبذلك يمهد هذا المنهج أرضية خصبة للتكفير التفجيري الدموي الذي يخالف ما كان عليه اهل هذه البلاد من تسامح وبعد عن العنف..
وبما أن هذا الخطاب مسموع ومنتشر ومريدوه في ازدياد فأعتقد أن ملفه يحتاج إلى معالجة أكثر عمقا من معالجة ملف السجناء السلفيين الذين كانت لهم الجرأة على التعبير بوضوح عن أفكارهم ومعتقداتهم.
وخلاصة السمات العامة لهذا المنهج انه تصفيري اي انه يدعو الموريتانيين لترك الأشعرية التي هي عندهم تعطيل للصفات والتصوف الذي هو ابتداع لا سند له من كتاب ولا سنة والفقه المالكي الذي هو مجرد آراء للرجال تبعد عن الكتاب والسنة لذلك يحذرون من دراسة المتون الفقهية المعتمدة في هذا القطر منذ قرون مثل ابن عاشر والاخضري ومختصر خليل...

وأود أن اوكد مجددا على أن شيوخ السلفية في بلادنا ربما لا يتبنون هذا المنهج بكل هذه التفاصيل لكن هذه هي السمات العامة للخطاب السائد خاصة عند الشباب الأقل علما والأفقر حكمة والأضعف تربية الذين حذر منهم  الشيخ بكر أبوزيد ، وهو احد أبرز علماء السلفية المعاصرة،  في كتابه القيم حلية طالب العلم، حيث قال:«قيل إن العلم ثلاثة أشبار: إذا تعلم الإنسان الشبر الأول تكبّر، ثم إذا تعلم الإنسان الشبر الثاني تواضع، ثم إذا تعلم الإنسان الشبر الثالث علم أنه لا يعلم شيئاً».

إن هذا الحماس الشديد للدفاع عن " التوحيد والسنة" لكان أصحابه لم تمر عليهم آيات وأحاديث تدعو إلى الحكمة واللين في مخاطبة الكفار فما بالك بخطاب المسلمين:
فالقرآن الكريم يرشد موسى واخاه هارون عليهما السلام  إلى اللين في مخاطبة فرعون وهو من هو كفرا وضلالا: 
(( فقولا له قولا لينا...))
وورد أيضا في كتاب الله الكريم: 
(( ولا تجادلوا اهل الكتاب إلا بالتي هي احسن)).

كما ورد في الحديث: ((ما كان الرفقة في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه)).
إن هذا الحديث الصريح عن مناهج المدرسة السلفية لا يعني تزكية المدارس الأخرى فلا توجد مدرسة معصومة ولكل مدرسة اخطاؤها وهناتها بل وربما زلاتها ولا توجد مدرسة افضل من غيرها على وجه الإطلاق ففي كل مدرسة خير وفيها غير ذلك والإسلام يظل الجميع ويجمعهم وليس لمدرسة ان تنصب نفسها وصية على المسلمين تحاسبهم قبل يوم الحساب وتدخل من شاءت في رحمة الله وجناته وتخرج من تشاء فذلك بيد الله تبارك وتعالى وحده وليس بيد العباد.
ولمعالجة ظاهرة السلفية التنظيرية المتشددة اقترح على الدولة ولجنة العلماء التي حاورت السلفيين وصناع الرأي عموما النظر في الأفكار التالية:

- مراجعة مقررات العقيدة خاصة في المعهد العالي وغيره من المؤسسات المشابهة، اذا كانت تتضمن بعد المناهج التكفيرية او تتضمن ما يزيد الخلافات والكراهية بين فرق المسلمين.

- إحياء منهج التعايش الذي كان قائما بين السلفية المحلية والصوفية والأشاعرة،تلك السلفية التي ينسب لها اعلام اجلاء مثل الشيخ سيدي باب والإمام بداه البوصيري والمرابط محمد سالم عدود..

 

- الدعوة لمؤتمر جامع تحت إشراف الدولة ممثلة في الجهات المعنية مثل وزارة الشؤون الإسلامية ومجلس الإفتاء والمظالم ووزارة التربية والمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية يحضرها العلماء والدعاة والمشايخ من مختلف المدارس الإسلامية في هذه البلاد من سلفية وصوفية وأشاعرة وإخوان وجماعة الدعوة والتبليغ ومنظمات مجتمع مدني واحزاب سياسية وكتاب وإعلاميين ومدونين.
ويمكن أن يتضمن جدول أعمال المؤتمر:

- التفاهم ابتداء على ان الحوار يقع بين اهل السنة فهذا بلد سني منذ دخله الإسلام وحتى يوم الناس هذا، خاصة ان الخلاف بين هذه المدارس قد يكون في معظمه لفظي ، فلا يعقل ان يتحول الخلاف في مسائل يسوغ فيها الاجتهاد وتباين الآراء وتعدد أوجه الفهم  إلى مسألة كفر وإيمان او بدعة وسنة او هداية وضلال..

- حصر المسائل الخلافية بين هذه المدارس لمناقشتها بهدوء  وحكمة بعيدا عن التعصب

- مناقشة آليات الإدارة الايجابية لهذا الخلاف والتواصي بالتناصح وفقما أقرته النصوص الشرعية ومنهج السلف الصالح.

ويمكن في الصدد الاستفادة من بعض التجارب المهمة في بعض الدول الأخرى مثلما حصل مؤخرا في مؤتمر وحدة الخطاب الإسلامي في سوريا على  خلفية تسلل خلافات فقهية إلى مساجد سوريا عقب سقوط نظام الأسد بين الصوفية والسلفية، بعد ظهور دعاة جدد عابوا على أئمة المساجد المعروفين نهجهم العقائدي وأنذرت بإشعال نيران صراع عقدي عميق بين المسلمين السوريين بشقيهم الصوفي والسلفي وما ساهم في تظهيرها ظهور دعاة جلهم من الشباب جاؤوا على مركب السلطة الحالية ليعيبوا على أئمة المساجد المعروفين في دمشق وحلب وحمص وحماة وغيرها من المحافظات السورية نهجهم العقائدي ما اضطر بعض هؤلاء للخروج في فيديوهات علنية منكرين على دعاة السلفية ما بدا أنه تسفيه لعقائدهم التي تسيدت تاريخياً المشهد الديني في ديار الشام.

وقد عقد المؤتمر بتاريخ 16 فبراير 2026 تحت شعار "رحمٌ بين أهله" وصدر عنه ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي .
وجاء الميثاق ثمرة ورشات علمية وحوارية بين المدارس العلمية والدعوية، وتم اعتماده رسمياً بحضور أكثر من ألف وخمسمائة من أهل العلم في عموم الجمهورية العربية السورية. (بعض نتائج المؤتمر  مرفقة **)

 

إن نتائج مؤتمر وحدة الخطاب الإسلامي الذي عقد مؤخرا في سورية يمكن أن يبنى عليها لإحداث تجربة مماثلة في موريتانيا خاصة مع وجود تشابه كبير بين الساحتين ففي سوريا اشاعرة وصوفية وسلفية ومدارس أخرى وكذلك الحال في موريتانيا، والجدال يحدث في البلدين بالطريقة ذاتها تقريبا، لكن السوريين قطعوا شوطا مهما نحو محاصرة هذه الخلافات وتوحيد الكلمة.
بناء الأمن الفكري.

إن  المنهج القائم على ان معظم فرق ومذاهب المسلمين وافرادهم إنما هم مبتدعة او اهل زندقة او شرك أصغر او اكبر لا يصلح لبناء أمن فكري ولا وئام اجتماعي بل هو مصدر خصب لتفريخ التطرف والتشدد..
ان عملية الفرز والتصنيف والغربلة هذه مآلها ان جنة الله التي عرضها كعرض السماوات والأرض لن يدخلها الا القلة القليلة من المسلمين في مصادمة واضحة للنصوص الشرعة الصريحة:
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلودَ، فإنِّي مُكاثرٌ بِكُمُ الأُممَ يومَ القيامةِ».
وورد في الحديث ايضا:
"أهْلُ الجنَّةِ عِشرون ومِئةُ صَفٍّ، ثَمانون منها مِن هذه الأمَّةِ".
فكيف سيكاثر سيدنا رسول الله صلى عليه وسلم الأمم اذا كانت السلفية المتشددة تحرم معظم المسلمين من الجنة؟
وكيف ستصل الأمة إلى ثلثي اهل الجنة مع هذا المنهج؟  

 

فالسلفية بمنهجها هذا تطبق معنى بيت ابي العتاهية بطريقتها:

وفرزُ النّفوس كفرزِ الصّخور
ففيها النّفيس وفيها الحجر
وما أقل النفيس عند السلفية.

إن أمن البلاد واستقرار المجتمع لا يمكن أن يستتب دون أمن فكري والأمن الفكري لا يمكن أن يحصل بتبادل التفسيق والتبديع والتكفير 
فشيوع التكفير واستسهاله يؤول بالضرورة للتفجير وتدمير الأوطان لذلك فمن الملح جدا معالجة المسألة من جذورها وبصورة شاملة على ضوء ما مر بالبلاد من تجارب مريرة كتبت بالدماء.. وفي خضم هذا الخطاب الإقصائي المتطرف الذي يزرع الكراهية ويشعل الفتن بين المسلمين..

فالقضية كبيرة وتحتاج إلى معالجة الجذور لا مجرد معالجة الأعراض وبعض النتائج والآثار  فالوقاية خير من العلاج.

 

وانبه أخيرا إلى أن هذه السطور لا تدخل ضمن المساجلات التقليدية التي تحدث بين السلفية والصوفية لأن كاتب هذه السطور أكثر حرصا على وحدة المسلمين من حرصه على التخندق مع مدرسة معينة قد يكون محسوبا عليها، لذلك فهو يعترف للسلفية بما فيها من خير ولا يصفها بالوهابية وإنما يسميهم بالاسم الذي اختاروا لأنفسهم كما أنه لن يجادل عند ذكر اخطاء المدرسة التي يحسب عليها وان كان ليس ناطقا باسمها ولا مكلفا رسميا بالمرافعة عنها.

 

-------
** بعض نتائج وتوصيات مؤتمر وحدة الخطاب الإسلامي في سورية:
التعريف بالميثاق:
يعد هذا الميثاق عقداً وطنياً جامعاً لأهل العلم والدعوة من أهل السنة والجماعة في الجمهورية العربية السورية بمختلف مدارسهم واجب الالتزام، يهدف إلى توحيد كلمتهم في القضايا الدينية العامة، تحت مظلة قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} [الحجرات: 10]، ويعزز جوانب الاتفاق، ويتقدمها فهماً ملزماً لهم في مواقفهم وسلوكهم، ويراعي خصوصيات المدارس وجوانب الاختلاف فيما بينها، ويرى احترامها واحترام أصحابها واجباً لازماً، وإن اختلفت فيها الأنظار.
ثانياً: المبادئ العامة:
02 المرجعية العليا هي القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة، ينطلق منهما الاجتهاد، ويرد إليهما الاختلاف. قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59].
03 اتباع السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين وما اتفق عليه السلف الصالح.
أصل في الدين والمحدثات تحكمها المنهج العلمي الرصين بنظر أصحاب الأهلية والاختصاص.
04 الصحابة وآل البيت رضي الله تعالى عنهم يجب توقيرهم، ولا يجوز الطعن فيهم أو الإساءة إلى أي منهم أو الخوض فيهم.
05 تنوع الاجتهادات واختلافها وتعدد المدارس والمذاهب سنة ربانية من سنن الله تعالى في خلقه لا يمكن إلغاؤها، بل هو مصدر إثراء حضاري، ولا يجوز أن يكون سبباً للتنازع أو الإقصاء.
06 الاعتدال والوسطية منهج إسلامي أصيل، وهو المقياس الذي ينضبط به كل خطاب ديني بعيداً عن الإفراط والتفريط. قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} [البقرة: 143].
07 عصمة الدم أصل قطعي، ولا يجوز استحلال الدماء أو الأموال أو الأعراض تحت أي ذريعة فكرية أو مذهبية.
ثالثاً: الآليات المنهجية في تطبيق المبادئ العامة:
01 التعامل مع نصوص الوحي في فهمها وتفسيرها يتم وفق قواعد الاستنباط التي قررها علماء الأمة ومجتهدوها، ومن سار على هديهم من العلماء العاملين. قال تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83].
02 التمسك بالثوابت والكليات، والمرونة في المتغيرات، وعدم تنزيل المسائل الفرعية منزلة الأصول، وترك الإنكار في المختلف فيه.
03 ترسيخ الإيمان بما يورث اليقين في القلب وحسن الظن بالله تعالى وصدق التوكل عليه، وعدم إشغال العامة بالخلافات العقدية، وحصر البحث والكلام فيها بأهل الاختصاص.
04 تقديم المصالح العامة على المصالح الشخصية والفئوية بما يجمع الكلمة ويوحد الصف.
05 رفض الغلو والمجازفة في التكفير والتفسيق والتبديع، وكذلك رفض التسيب في أحكام الدين وشعائره بما يصونه من الانحرافات العقدية والفقهية والفكرية.
06 توقير الأئمة المجتهدين ومذاهبهم، وإعمال الاجتهاد من أهله في معرفة أحكام النوازل، وانضباط ذلك بأصول الفقه ومقاصد الشريعة.
07 تعظيم شأن الفتوى، ومنع التصدر لها من غير أهلها، وتعزيز مرجعية مجلس الإفتاء الأعلى في سورية.
رابعاً: السمات العامة للخطاب الإسلامي:
01 خطاب يجمع يؤلف بين القلوب، يحب ولا يبغض، يبشر ولا ينفر، ييسر ولا يعسر، يجمع ولا يفرق.
02 خطاب منفتح على العالم يعتمد الحوار البناء والتعاون على البر والتقوى.
03 خطاب متوازن يجمع بين الدين والدنيا، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين العلم والعقل والروح والعاطفة.
04 خطاب تربوي يعنى بالجوانب الإيمانية والسلوكية بإصلاح القلوب وتزكية النفوس.
05 خطاب منهجي يقوم على التثبت، ويبتعد عن الوصايات والموضوعات والخرافات.
06 خطاب عملي يربط الدعوة والتعليم بخدمة المجتمع والتنمية، وإقامة العدل وتعزيز السلم الأهلي، وترسيخ قيم المواطنة الصالحة التي أقرها الإسلام.
خامساً: أسس العلاقة بين المدارس الإسلامية:
01 الالتزام بالأخوة الإيمانية وما يترتب عليها من المحبة والمولاة والتعاون والتناصح.
02 الاعتراف بجميع المدارس المعتبرة في الفقه والعقيدة، وهي: المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية والشافعية والحنبلية والمالكية، والمذاهب العقدية الثلاثة: الأشعرية والماتريدية وأهل الحديث (الأثرية).
03 اجتناب التعصب، وترسيخ أدب الحوار والخلاف، والحرص على فهم الآخر فهماً صحيحاً، وحسن الظن به، وإنصافه وإبراز محاسنه.
04 الاحترام المتبادل بين العلماء والدعاة ومنع التنافر والتحريض والتشهير والإقصاء وتسفيه الآراء وإطلاق الاتهامات والطعن في النيات.

أربعاء, 24/06/2026 - 00:01