
بناءً على ما تضمنه التقرير التحليلي الفني الأخير حول تلوث الوقود - ومع أنه لا يحمل توقيع جهة رسمية أو مصدر يمكن الاستناد إليه بصفة قطعية- ومن باب المسؤولية العلمية، فإن المعطيات الفنية الواردة فيه بصرف النظر عن مستوى مصداقيتها، تعكسها شكاوى المواطنين اليومية من تعطل سياراتهم بسبب ضعف جودة الوقود، وهذا ما يضعنا أمام حقيقة ماثلة تستوجب التشريح والمساءلة؛ ليس فقط لتتبع مسار شحنة وقود بعينها، بل لتفكيك فجوة الحوكمة والرقابة في مؤسساتنا الوطنية.
ما يقودنا مباشرة إلى طرح المساءلة العلمية والمؤسسية: أين تكمن الثغرة؟
وهنا يجب أن نفكك واقع المنظومة الوطنية للجودة:
إن الشركة الموريتانية للصناعات التكريرية (SOMIR) تملك مختبرات معتمدة وفقا للمواصفات الدولية ISO 17025 (الخاصة بكفاءة مختبرات الفحص والمعايرة)، وهو جهد تشكر عليه، لكن الاعتماد المخبري وحده لا يكفي مطلقا لحماية السوق والمستهلك من كوارث التلوث اللوجستي.
فإذا كان اعتماد ISO 17025 يضمن دقة التحليل داخل المختبر، فإن مواصفة ISO 17020 (المواصفة الخاصة بمتطلبات تشغيل الهيئات المختلفة التي تقوم بالتفتيش) هي الضمان لموثوقية الرقابة في الميدان (على السفن، والصهاريج، والمنافذ) من خلال:
1. الاستقلالية والحيادية: تمنع أي تضارب للمصالح أو خضوع المفتشين لضغوط مالية عند قبول أو رفض الشحنات.
2. كفاءة المفتشين: تشترط تأهيلاً وتدريباً ميدانياً مستمراً للمفتشين، مع تقييم دوري صارم لأدائهم.
3. تقييس الإجراءات: تمنع العشوائية والاجتهاد الشخصي عبر فرض طرق سحب عينات موثقة تمثل الشحنة بشكل عادل.
4. نزاهة التقارير: تلزم بإصدار شهادات تفتيش دقيقة، مؤرخة، وغير قابلة للتلاعب، ترصد الأدلة والتحفظات بكل شفافية.
إن خطورة هذه الحادثة الفنية - إن صحت - تفتح الباب على مصراعيه لتقييم واقع الرقابة على كافة المواد الحيوية الأخرى كالأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل. فبحكم أن بلادنا تعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد لتأمين حاجياتها الأساسية؛ نحن معرضون للشحنات منخفضة الجودة، ما لم تكن لدينا خطوط دفاع رقابية صارمة.
إن غياب آليات التفتيش الميداني المعتمدة دوليا في الموانئ والمنافذ البرية، يترك الأمن الصحي والدوائي للمواطنين رهينا للصدفة أو لضمير الموردين، ويؤكد أن هشاشة الرقابة على الوقود ليست سوى انعكاس لضعف بنيوي أشمل يهدد كل ما يستهلكه المواطنون من غذاء ودواء.
ومن هذا المنطلق، وبناء على هذا المشكل البنيوي والثغرات الخطيرة في المجال الرقابي التي مست عصب الاقتصاد ويوميات المواطنين، أتوجه بدعوة ملحة إلى السلطات العمومية لفرض استراتيجية وطنية صارمة لإلزام كافة مؤسسات التفتيش والرقابة بالحصول على الاعتماد الدولي وفق معايير ISO 17020، وفي مقدمتها:
1 الشركة الموريتانية للصناعات التكريرية (SOMIR).
2 الوكالة الموريتانية للسلامة الصحية للأغذية (AMSSA).
3 المختبر الوطني لمراقبة جودة الأدوية(LNCQM).
إن غياب هذا النوع من الاعتماد المتخصص للتفتيش (ISO 17020) يجعل من عمليات الرقابة مجرد إجراءات شكلية، ويفتح الباب أمام دخول شحنات "مغشوشة" تضر بالاقتصاد الوطني والصحة العامة.
وأخيرا، أوجه النداء مباشرة إلى المرفق الحيوى والمحرك الأساسي لبنية الجودة التحتية في البلد: المكتب الوطني للتقييس والمعايرة (l’ONANOR) أن ينهض بدوره المحوري والسيادي في وضع المواصفات الوطنية، والدفع نحو إلزامية المطابقة والمعايرة لجميع أدوات القياس وصهاريج التخزين في منشآت النفط والغاز والأغذية.
لم يعد الصمت أو الاكتفاء بالبيانات التبريرية مقنعًا وقد حان الوقت لبناء منظومة جودة وطنية حقيقية تحمي الوطن والمواطن.
محمد الحسن بلول
مهندس في الأمن غذائي وضمان الجودة



.jpeg)

.jpeg)