
منذ عدة أشهر، تفرض مسألة التداول على السلطة نفسها بإلحاح متزايد في النقاش العام. ففي كل أسبوع، بل أحيانًا كل يوم، يشهد الموريتانيون تزايد التكهنات حول خليفة يُقال إنه يُختار ويُعدّ ويُروَّج له من قبل السلطة القائمة والدوائر المحيطة بها.
وتثير هذه الفرضية تساؤلًا جوهريًا: هل ستُتاح للانتخابات الرئاسية المقبلة فرصة حقيقية للشعب كي يختار بحرية من يقوده، أم أنها ستكون مجرد محطة جديدة في مسار إعادة إنتاج نظام يصادر الإرادة الشعبية ويحتكر القرار؟
إن التداول الحقيقي على السلطة يُعدّ أحد أعمق تطلعات المجتمع الموريتاني. غير أن هذا التطلع ظل، على مدى عقود، يصطدم بقوة نظام يوظف موارد الدولة وشبكات النفوذ والآليات المؤسسية لتوجيه المنافسة السياسية والحفاظ على التوازنات القائمة.
ولا تكمن المشكلة في شخص بعينه أو في ولاية رئاسية محددة فحسب، بل في نمط من الحكم يميل إلى الخلط بين المصلحة العامة ومصالح دائرة ضيقة. إنها مشكلة التركّز المفرط للسلطة والثروة والفرص في أيدي أقلية متميزة، في وقت لا تزال فيه فئات واسعة من السكان تواجه الصعوبات الاقتصادية والبطالة والهشاشة الاجتماعية وغياب الآفاق.
واليوم، يسود البلاد شعور عميق يتمثل في اتساع الفجوة بين تطلعات الشعب وبين الاستجابات التي تقدمها السلطة. فالموريتانيون يريدون أن يُسمَع صوتهم، وأن يُحترَموا، وأن تكون لأصواتهم الانتخابية قيمة حقيقية تُحدد فعليًا التوجه السياسي للبلاد.
ولا يمكن بناء أي استقرار دائم في مواجهة الإرادة الشعبية. كما لا يمكن أن تقوم الوحدة الوطنية إلى ما لا نهاية على الإحباط واليأس والشعور بالإقصاء. فالدول الأكثر استقرارًا هي تلك التي تنجح في تنظيم التداول على السلطة، وتجديد نخبها، ومنح كل مواطن الثقة بأن صوته له أثر وأن مشاركته ذات معنى.
إن التداول على السلطة لا يُضعف الدولة، بل على العكس، يُعدّ من أكثر الوسائل فعالية لتعزيز شرعيتها. وليس عاملًا لعدم الاستقرار، بل غالبًا ما يكون علاجًا للتوترات المتراكمة عندما يشعر المجتمع بأن المجموعات نفسها تتعاقب على الحكم أو تعيد إنتاج نفسها دون منافسة ديمقراطية حقيقية.
ومن ثمّ، فإن الاستحقاقات الرئاسية المقبلة ستمثل لحظة حاسمة، ويجب أن تتيح التعبير الحر والشفاف وغير القابل للطعن عن الإرادة الشعبية. وأي محاولة لإدامة النظام القائم من خلال التعيين الضمني أو الصريح لوريث سياسي قد تؤدي إلى تعميق أزمة الثقة بين الشعب والسلطة بصورة خطيرة، بما قد يخلق حالة حقيقية من عدم الاستقرار، وهي النتيجة التي يسعى الجميع إلى تجنبها.
إن الشعب الموريتاني يستحق أكثر من تداول شكلي على السلطة؛ إنه يستحق تداولًا حقيقيًا، ومؤسسات محايدة، وانتخابات نزيهة وشفافة، ودولة تكون في خدمة الجميع لا في خدمة قلة محدودة.
ويجب أن يُحسم مستقبل موريتانيا من قبل الموريتانيين أنفسهم، لا وفق حسابات الأجهزة أو ترتيبات دوائر النفوذ، بل من خلال الاختيار الحر للمواطنين.
ويقع اليوم على عاتق أصحاب السلطة أن يدركوا عمق هذا المطلب الوطني، فهم يتحملون مسؤولية تاريخية خاصة تتمثل في إتاحة انتقال ديمقراطي حقيقي يحترم سيادة الشعب ويصون المصلحة العليا للوطن.
إن إدارة الأمر الواقع لم تعد مقبولة، وقد حان الوقت لإعادة السلطة الكاملة للشعب كي يتحكم في مصيره السياسي، إذ لا يمكن لأي أمة أن تحقق التقدم المستدام ما دام الذين يحكمونها يُختارون بآليات السلطة والنفوذ بدلًا من الإرادة الحرة والسيادية للمواطنين.
لبات ولد المعيوف



.jpeg)

.jpeg)