من جزيرة ابستين الى جزيرة سازان.. هل يوجد بينهما اي روابط...؟

انتفض الشعب الألباني وخرج إلى الشوارع، وأضرم النيران في الطرقات والمرافق العامة والمركبات الحكومية، والآليات التابعة لشركات مقاولات أجنبية، على اثر قيام إيدي راما، رئيس الوزراء، الذي تربطه علاقات مشبوهة بالكيان الغاصب، وخصوصًا مجرم الحرب نتنياهو واللوبي الصهيوني الداعم له في الولايات المتحدة، بالموافقة على نقل ملكية جزيرة سازان الاستراتيجية إلى جاريد كوشنر (صهيوني امريكي) وزوجته إيفانكا، ابنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بذريعة الاستثمار البريء.

أدرك الشعب الألباني أن لا شيء في العلاقة مع كوشنر الصهيوني المتطرف وزوجته يبدو بريئًا، كي يمرّ الأمر على أنه مجرد صفقة عقارية. فجزيرة سازان ليست مجرد قطعة أرض وسط المياه، ولا مجرد مساحة تصلح لتجميل الخرائط والكتالوجات الاستثمارية، لا سيما أن فضائح وجرائم جزيرة جيفري إبستين، اليهودي الصهيوني أيضًا، ما زالت ماثلة للعيان. وبطل كل هذه الكوارث، "والد إيفانكا" ومن يقف خلفه، هم على الأرجح وراء هذه الجزيرة؛ ويرى بعض من يؤمنون بنظرية المؤامرة أنهم يبحثون عن جزيرة جديدة عقب انكشاف أمر جزيرة إبستين, يرى هؤلاء ان سياسة الجزر براقة ومجدية جدًا، ولن يفرطوا في هذه السياسة التي مكنتهم من السيطرة على نخب وصناع قرار ونافذين حول العالم.

كذلك يدرك الألبانيون الموقع الاستراتيجي لجزيرتهم، إذ تشرف على خليج فلورا الألباني ومضيق أوترانتو الواقع بين ألبانيا وإيطاليا، والذي يربط بين البحر الأدرياتيكي والبحر الأيوني، وهو أحد أحواض الجزء الشرقي من البحر الأبيض المتوسط. أي إن الجزيرة والمضيق يشكلان ممرًا مائيًا حيويًا يربط عمليًا بين غرب أوروبا وشرقها عبر مياه المتوسط، وهذا الموقع المميز يضفي على الجزيرة أهمية استثنائية، ويتيح لها الإشراف على طرق تجارة بحرية مهمة.

أضف إلى ذلك أن جزيرة سازان وجهة سياحية داخلية ومتنفس للألبانيين، ومفتوحة للعامة مجانًا، وبيعها لكوشنر وزوجته من شأنه حرمان الشعب الألباني من مرفق مجاني وجميل.

علاوة على أن الجزيرة تزخر بعبق التاريخ، وهي أيضًا مكان ذو وزن استراتيجي كبير؛ فقد تعاقب عليها الإيطاليون، ثم العثمانيون، ثم تبعهم السوفيات قبل أن يعقبهم الجيش الألباني. لذا فهي تزخر بالمواقع العسكرية الحيوية، ويوجد بها مرافئ للغواصات والسفن، وعشرات الكيلومترات من الأنفاق العسكرية الحصينة، كما تضم آلاف الملاجئ المنيعة شديدة التحصين، والمضادة للضربات النووية أو البيولوجية أو الكيميائية.

كل هذا الإرث الاستراتيجي والتاريخي والترفيهي حفر لها ذكرى عميقة في وجدان الشعب الألباني، وجعلها جزءًا راسخًا من هويته الوطنية. لذا يصعب جدًا التفريط بها أو محوها من الذاكرة والموروث الخالد للألبانيين. وهذا ما دفع الشعب الألباني إلى الخروج إلى الساحات والشوارع، متهمين رئيس الوزراء إيدي راما بالخيانة والفساد والرشوة، ومطالبين الحكومة بالرجوع عن نقل ملكية الجزيرة لكوشنر وزوجته، ومطالبين باستقالة راما وتقديمه للمحاكمة على خلفية هذه الفضيحة. ووفقًا لوكالات الأنباء، فإن هيئة مكافحة الفساد الألبانية قد شرعت بالفعل، تحت ضغط الشارع، في فتح تحقيق في قضية الجزيرة، وتهم بالفساد والرشوة في القضية نفسها تطال مسؤولين كبارًا، على رأسهم رئيس الوزراء راما.

ومن ناحية أخرى، فإن كوشنر، عراب ما سُمّي مشروع "ريفيرا غزة"، الذي فشل فشلًا ذريعًا على إثر صمود أهل قطاع غزة ومقاومتهم بصدورهم العارية مشاريع التهجير وتمسكهم بأرضهم رغم فداحة الثمن، يبدو أنه، على أثر فشله في مشروع "ريفيرا غزة"، أراد أن يحاول تنفيذ "مشروع الريفيرا" هذه المرة في ألبانيا، وتحديدًا على جزيرة سازان الاستراتيجية. ويبدو أن الشعب الألباني استشعر الخطر والنية السيئة تمامًا كأهالي قطاع غزة، فتصدوا، مثلهم، لمشروع كوشنر المشبوه.

مشكلة جزيرة سازان الألبانية أعمق من كونها استثمارًا سياحيًا، وأخطر من مشروع فنادق وفيلات مطلة على البحر. فالمشكلة أن ما يُسوَّق على أنه "تنمية" يحمل في داخله سؤالًا فاضحًا عن من يملك القرار فعلًا، ومن يكتب شروط الصفقة، ومن يستفيد من هذا التداخل الكثيف بين المال والنفوذ والسياسة. حين تدخل المشاريع الكبرى من بوابة الغموض، فلا يعود الهمّ في عدد الغرف أو مستوى الرفاهية، بل في ما هو الدافع الحقيقي، ومن الذي يمسك بمقاليد الأمور، وما الثمن الحقيقي، ومن الذي دفعه، ولمن.

إن الاحتجاجات التي خرجت في شوارع تيرانا ضد جزيرة إيفانكا وزوجها ليست تفصيلًا، وليست رد فعل عاطفيًا عابرًا، بل إنذاراً سياسياًوأخلاقياً في آن واحد, فالناس فهموا ما تحاول السلطة تلميعه, الجزيرة التي كانت يومًا موقعًا عسكريًا تاريخيًا، ثم تحولت إلى مساحة طبيعية ذات خصوصية مميزة، يُراد لها الآن أن تدخل منطق السوق السياسي، حيث لا مكان إلا لمن يملك المال والنفوذ, وهم يرون خسارتهم للجزيرة بمثابة خسارة جزء من سيادتهم الوطنية. فجزيرة سازان ليست مجرد جزيرة؛ إنها مرآة، من ينظر فيها جيدًا يرى كيف تُشترى السيادة بغطاء من الجغرافيا. ولهذا تبدو أصوات المحتجين أكثر من مجرد رفض لمشروع عمراني؛ إنها لهجة رفض لتحويل الأرض إلى وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية، وتحويل البيئة إلى ورقة تفاوض، وتحويل الدولة إلى مكتب تصديق على رغبات أصحاب النفوذ. لأن مثل هذا النوع من المشاريع لا يدخل عادة إلى البلدان الصغيرة بوصفه مجرد رأس مال يبحث عن الفرصة، بل بوصفه منظومة كاملة من النفوذ والعلاقات والضغط السياسي والإعلامي. وحين تظهر الأسماء الثقيلة، والروابط المتشابكة بين أصحاب المال وصناع القرار، يصبح من حق الناس أن يشكّوا، لأن هذه الوصفة بالضبط هي وصفة الفساد في صورته الحديثة: لا رشوة فجة بالضرورة، بل علاقات متداخلة، ومصالح متبادلة، ورسائل مطمئنة تخدع من لا يريد أن يرى.

إن أخطر ما قد تواجهه ألبانيا اليوم ليس بناء منتجع، بل تطبيع فكرة أن كل موقع ثمين يمكن إخضاعه بأي طريقة كانت، بما في ذلك غطاء "الاستثمار" إذا توفرت الإرادة السياسية. عندها تصبح هذه العملية استحواذًا ناعمًا، لا تنمية ولا شراكة، ويتبعها بالضرورة إعادة رسم لخريطة توزيع السلطة على نحو يضعف المجتمع المحلي ويقوي النخبة المرتبطة بالصفقة.

 

اخر الكلام:

روتشيلد وترامب اسمان ترددان بين جزيرة إبستين وجزيرة إيفانكا، وأصحاب الجزيرتين ابستين وكوشنر (ان لم يكونا واجهة) من الموالين بشدة للكيان الصهيوني الغاصب.

اصحاب نظرية المؤامرة يروا أن جزيرة إبستين قد انكشفت وأصبحت كرتًا محروقًا، فلجؤوا (من هم في ظهره) إلى تأسيس جزيرة أخرى لتستمر إحكام قبضتهم على صناع القرار في أمريكا والعالم، وهذه المرة جزيرة منيعة أشد تحصينًا من جزيرة إبستين، وبعيدة عن الأراضي الأمريكية، وبعيدة عن العيون والرقابة والتدخلات السياسية والأمنية والفضوليين.

 

د. سمير الددا

[email protected]

أربعاء, 10/06/2026 - 09:59