لكويرة في حسابات موسكو: حين تكتشف موريتانيا متأخرة وزن روسيا

جاء الفيتو الروسي في مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر ضد مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء الغربية ليقلب حسابات كثيرة. لم يكن الأمر مجرد اعتراض إجرائي على تجديد ولاية بعثة المينورسو، بل رفضاً لمحاولة جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للتفاوض، مع تقليص الدور العسكري للبعثة وتغيير طبيعة مهمتها. وبذلك أعادت موسكو إلى الواجهة سؤالاً كان البعض يتصرف وكأنه حُسم سلفاً، وهو من يملك حق تقرير الإطار الدولي الذي ستُسوى على أساسه قضية الصحراء؟ لقد قالت روسيا إن هذا الإطار لا يمكن أن يُفرض من طرف واحد، وإن السيادة لا يقررها مجلس الأمن مسبقاً وفق حسابات التأثيروالاصطفاف.

 

لم يكن أحد يتوقع أن تصبح موسكو، في لحظة واحدة، رقماً حاسماً في مستقبل الصحراء الغربية، وأن تجد موريتانيا نفسها أمام مفارقة جيوسياسية تستحق التأمل: بلد يتنازع محيطه الإقليمي على النفوذ والمواقع وله قراءاته للامور واعتقد فجأة انه فهم كل المواقف، و في ذاكرته قضية لكويرة المعلقة، ثم تتدخل قوة دولية كبرى كانت خارج الحسابات،لتقول إن مستقبل الصحراء لا يمكن أن يُحسم وفق وصفة أمريكية أو تفاهم مغربي غربي،  بعيداً مبدأ تقرير المصير

 

 

وهنا تبدأ المفارقة الموريتانية؛ فبينما ينشغل البعض في محيطنا الإقليمي بتوزيع النفوذ والحديث عن مستقبل لكويرة، وما إذا كانت تابعة لموريتانيا وستكون بعد ترتيبات الجارية خارج الحسابات المغربية، جاءت موسكو لتذكر الجميع بأن مستقبل الصحراء ما زال مفتوحاً على توازنات دولية لا يتحكم فيها طرف إقليمي بمفرده.

 

والأكثر إثارة أن هذا التحول جاء في الوقت الذي كان فيه الاعلام في نواكشوط يقلل من وزن موسكو في الحسابات الإفريقية، حتى إنه لم يعر  اهتماما كبيرا لقيمة مشاركة الرئيس غزواني في القمة الروسية الافريقية ولا لمغادرته المفاجئة للقمة يوم 29 أكتوبر،ملغيا بذلك لقاء ثنائيا مع افلادمير بوتين كان مستشار الكرملين يوري أوشاكوف قد أعلن عن مبرمجته ليوم 30 أكتوبر. 

 

ولا يعرف أحد حتى الان أي الأسباب تحديدا من بين الألف سبب الموجودة التي دفعت رئيس الجمهورية للمغادرة، ولم تقدم الرئاسة الموريتانية تفسيراً لإلغائه، وفي تقديري ان  قرارالغاء اللقاء له ما يبرره من عدة أوجه ، فاذا كانت روسيا قد قررت رفع الفيتو ضد قرار مجلس الامن المتعلق بالصحراء في نفس اليوم الذي يلتقي فيه غزواني ببوتين فربما يكون هذا محرجا لنا أمام حلفائنا في الغرب وحتى امام المغرب، وخصوصا أننا تلقينا تمويلات من الاتحاد الاوربي يوم 28 اكتوبر، واذن  فلقاء بوتين كان ربما سيكون فخا روسيا لنا، على الأقل بمنطق وميكانيزمات وضعنا.

 

 ومع ذاك فمنطق الجيوبلتيك يطرح سؤالاً مغايرا لا يمكن أيضا تجاهله: كيف تغادر موريتانيا موسكو قبل لقاء كان يمكن أن يفتح نقاشاً مباشراً حول مستقبل علاقاتها مع روسيا، فيما كانت الأخيرة تستعد لخوض مواجهة دبلوماسية كبرى في مجلس الأمن حول قضية تقع على حدودنا وترتبط بقطعة من ترابنا؟

 

 

ولا جدال في انه لا يمكن معرفة أسباب ما جرى بدقة فالصحافة لا تهتم بهذه الامور ولم تسأل عنها او تطرحها للنقاس والرئاسة لم تتطوع بتقديم تفسير، فمن المحتمل أن تكون وراءه حسابات دبلوماسية وجيهة لا ندركها؛لكن المؤكد أن التعامل مع موسكو باعتبارها شريكاً ثانوياً أو قوة يمكن الاكتفاء بمصافحتها في المؤتمرات لم يعد قراءة سليمة للتحولات ؛ فروسيا لم تعد حاضرة في إفريقيا من خلال صفقات السلاح او التعاون التقني، بل عبر شبكة من العلاقات الأمنية والسياسية والدبلوماسية، من الجزائر إلى مالي وبوركينا فاسو والنيجر الى السودان حتى شواطيء البحر الاحمر، وهي مؤثرة في العالم وتقف مع ايران و توفر الحماية لدول الساحل، وهاهي تتقدم للتأثير في حسابات قضية الصحراء، وهي تفعل ذلك " ما خسرت مشيتها" كما يقول المثل الشعبي، وهي لا تحتاج إلى السيطرة على كل منطقة كي تؤثر فيها؛ يكفي أن تمتلك مواقع استراتيجية وعلاقات تسمح لها بتعطيل ترتيبات لا توافق عليها.

سبت, 31/10/2026 - 12:53