لعبة تحويل الأنظار: الإعلام الفرنسي والدبلوماسية الموريتانية

أعادت المقابلة الأخيرة التي أجرتها مجلة جون أفريك مع وزير الخارجية الموريتاني فتح النقاش حول الدور الذي تؤديه بعض وسائل الإعلام الفرنسية في تشكيل الصورة الدولية لموريتانيا. فبالنسبة لكثير من المتابعين، لا تبدو هذه المقابلة حدثاً إعلامياً معزولاً، بل حلقة جديدة ضمن نمط متكرر من التغطيات التي تبرز الإنجازات الدبلوماسية في اللحظات التي تتزايد فيها الانتقادات المرتبطة بالوضع الداخلي. و من الأسرار المفتوحة في منطقة الساحل أن أدوات النفوذ الفرنسي لا تقتصر على السلك الدبلوماسي، بل تمتد أيضاً إلى المجال الإعلامي. وفي موريتانيا، برز نمط لافت يتمثل في أن بعض المنابر الفرنسية، وعلى رأسها لوموند وجون أفريك، تبدو وكأنها تؤدي دوراً استراتيجياً في دعم صورة النظام القائم كمكافأة سياسية على تمسك موريتانيا بالاصطفاف إلى جانب المصالح الجيوسياسية الفرنسية، ولا سيما موقفها تجاه مالي و دول الساحل الأخرى التي تراجعت فيها المكانة الفرنسية خلال السنوات الأخيرة.

 

 

وتعتمد هذه المقاربة الإعلامية في كثير من الأحيان على أسلوب كلاسيكي في إدارة الصورة، يقوم على تحويل اهتمام الرأي العام الدولي من القضايا الداخلية المثيرة للجدل إلى ما يُقدَّم بوصفه نجاحات في السياسة الخارجية. فكلما برزت ملفات تتعلق باعتقال نشطاء حقوق الإنسان أو التضييق على المعارضين أو تراجع الحريات العامة، يتحول الخطاب الإعلامي الفرنسي سريعاً نحو الإنجازات الدبلوماسية لموريتانيا، مثل الحصول على مناصب داخل مؤسسات دولية أو لعب أدوار في الوساطات الإقليمية. ويُقدَّم هذا النجاح وكأنه نتاج طبيعي للسياسة الموريتانية، بينما يُغفل في كثير من الأحيان الحديث عن حجم الجهود الدبلوماسية الفرنسية الداعمة، أو ما تتداوله الأوساط السياسية من حديث عن تدخل باريس لترجيح كفة نواكشوط  دوما في بعض المحطات الدولية.

 

 

ولا يبدو توقيت هذه المواد الإعلامية عشوائياً في نظر كثير من المتابعين؛ فكلما تصاعدت التوترات الإقليمية أو وُجهت انتقادات إلى سجل موريتانيا في مجال حقوق الإنسان، تظهر موجة من المقالات الإيجابية في وسائل إعلام فرنسية تتناول الإمكانات الاقتصادية للبلاد، أو تشيد  بوضعها كواحة استقرار أوبدورها  في الوساطة الإقليمية. ولا شك أن هذه الموضوعات تستحق التغطية، لكن كثافتها وتزامنها مع الأزمات الداخلية يثيران تساؤلات حول ما إذا كانت تشكل جزءاً من محاولة لإغراق الأصوات الناقدة بسردية بديلة تركز على النجاحات الخارجية، بحيث يرى المجتمع الدولي بلداً يحقق تقدماً دبلوماسياً، بدلاً من التركيز على التحديات المتعلقة بالحكم والحريات المدنية.

 

 

 

غير أن أكثر جوانب هذه العلاقة إثارة للجدل يتمثل في بعدها المالي.فالاتهامات المتداولة بأن جون أفريك تتلقى مبالغ مالية مقابل هذا النوع من التغطية تجد صدى واسعاً في النقاشات السياسية  والاجتماعية في غرب افريقيا، وقد عززها تصريح بعض قادة  دول الساحل بانهم تلقوا عروضا من جون افريك تعرض عليهم تغطيات لتحسين صورتهم في الخارج مقابل تعويضات مالية، وتتردد أرقام مختلفة، من بينها مبلغ عشرة ملايين فرنك إفريقي أو خمسمائة ألف دولار، وهو ما يثير نقاشاً أوسع حول الحدود الفاصلة بين العلاقات العامة والعمل الصحفي المستقل، وحول مدى تأثير المصالح المالية في مصداقية التغطية الإعلامية  للصراع في منطقة الساحل بشكل عام.

 

 

 

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب، هو أن هذه اللعبة الجيوسياسية تبدو مفهومة لدى معظم الفاعلين الإقليميين والدوليين، بينما لا نزال  نحن في مورينانيا نتلقى هذه السرديات بوصفها حقائق مكتملة، وكثير من وسائل اعلامنا ليس لها مصدر دولي حول الشأن الساحلي غير لوموند وجون افريك، ومع ذاك  تبقى الخشية قائمة من أن تطغى السرديات المصنوعة في الخارج على النقاش الحقيقي حول ما يجري في  موريتانيا، وأن تصبح أولويات باريس أكثر حضوراً في الصورة الدولية من أولويات نواكشوط نفسها.

.

سبت, 18/07/2026 - 16:21