
بعض الجمل لا تغادرنا حقًا.
ليس لأنها تمنحنا يقينًا، بل لأنها تواصل، عامًا بعد عام، إثارة الأسئلة. ومن بينها عنوان مقال كتبه والدي قبل عقود: «لسنا مستعدين لمواجهة لعبة إسرائيل».
وقد استوقفني هذا العنوان منذ اللحظة الأولى.
على الرغم من حساسيته للبعد الرمزي للأشياء، فإن والدي لم يكن ميالًا إلى الظلامية أو الأساطير أو القراءات التبسيطية. كما لم يكن من أولئك الذين يشيطنون خصومهم. فقد علمته تجربته أن يتعامل مع الوقائع السياسية والاجتماعية في كامل تعقيدها.
ومع مرور الوقت، اتخذت هذه العبارة في نظري بعدًا آخر. فنحن نميل إلى تفسير موازين القوى عبر النوايا المنسوبة إلى الفاعلين: قناعاتهم، وأيديولوجياتهم، وطموحاتهم. غير أن هذه النوايا لا تستنفد أبدًا دوافعها العميقة.
حدود القراءة الأخلاقية
لكن ماذا كان يقصد؟ وإلى ماذا كانت تشير «لعبة إسرائيل»؟ إلى دولة تتشابك فيها السلطة المؤسسية مع الشرعية الدينية؟ إلى صراعٍ وإلى الأشكال التي تنتظم من خلالها قوته؟ أم كانت، على العكس، تأملًا أوسع في العلاقات بين المجتمعات؟
وقد ظل هذا السؤال طويلًا بلا إجابة.
أسطورة الشر
لفترة طويلة، اعتقدت أن هذا التعبير يحيل إلى إسرائيل، وأن المقصود كان نقد دولة من خلال قادتها وسياساتها وتاريخها. ومع ازدياد الصراع تعثرًا، أصبح من السهل، بالفعل، ألا نرى في إسرائيل سوى صورة بسيطة للشر.
للشر قوة خاصة. فهو يطمئن بقدر ما يثير الغضب. إنه يعيّن المسؤولين ويشبع الحاجة إلى التمييز بين العادل والظالم.
وغالبًا ما يكون هذا الغضب مشروعًا تمامًا. لكن ربما هنا تبدأ الأسطورة: حين يحوّل توصيفًا أخلاقيًا إلى سبب سياسي، وحين يوحي بأن تحديد الشر يعني أن الأساسي قد فُهم.
ولم تَعد هذه العبارة إلى ذهني إلا مع مرور السنوات، وبفعل ذكريات وتجارب شخصية، محملة بمعانٍ جديدة. وبالنظر إلى الوراء، بدا لي أن الأمر لم يكن يتعلق بإسرائيل بقدر ما كان يتعلق بالنظرة التي نلقيها من خلالها على موقع المصالح الفردية في الفعل الجماعي.
عندئذ لا تشير «اللعبة» إلى إسرائيل بقدر ما تشير إلى عجزنا عن التفكير فيما يؤسس، على نحو مستدام، قوة الدولة. ومن ثم لم يعد السؤال الحقيقي هو معرفة ما هي «اللعبة»، أو لماذا لسنا مستعدين لها، بل معرفة كيف يمكن أن نستعد لها.
ما وراء الحكم الأخلاقي
غالبًا ما تُفضّل النقاشات العامة التركيز على النوايا والمسؤوليات.
هذه قراءة مشروعة، لكنها تضيء الحكم الأخلاقي أكثر مما تضيء آليات الفعل السياسي: أي قدرة الدولة على تحويل تعددية المصالح إلى فعل جماعي ذي معنى ومستدام.
لا يتعلق الأمر بإنكار الانتهاكات أو خطورتها، بل بالتذكير بأن موازين القوى لا تُفهم أبدًا انطلاقًا من النوايا المنسوبة إلى الفاعلين وحدها.
عندما يُختزل الصراع في قراءة أخلاقية أساسًا، يصبح من الأصعب فهم كيف تتطور موازين القوى وكيف يمكن التأثير فيها.
درس من عملية السلام
تعود إلى ذهني اليوم ذكرى تُضيء معنى هذه الصياغة أكثر من غيرها.
التقى والدي ياسر عرفات عام 1991 في تونس، في فترة كانت فيها منظمة التحرير الفلسطينية تمر بتحولات عميقة. فقد قلبت حرب الخليج التوازنات، وبدأت الجهود الدبلوماسية التي قادت إلى اتفاقات أوسلو للسلام تتشكل. وقد أعاد إليّ تذكر ذلك اللقاء، للحظة، طريقته في النظر إلى الشؤون الدولية: رؤية للعالم لا يكفي فيها اتخاذ موقف.
إن فهم دولة ما يفترض ملاحظة كيفية صياغتها خياراتها، وتحديد أولوياتها، وترتيب قراراتها. وهذا التمييز هو ما مكّنني من فهم العبارة التي حيّرتني في البداية.
ما وراء السؤال الهوياتي
ما وراء التفسيرات الهوياتية، يبقى السؤال الحقيقي هو قدرة المجتمع على التفكير في الفعل الجماعي وتنظيمه. فالدول تستجيب لقيود، وتبني مؤسسات، وتضع استراتيجيات تتجاوز في كثير من الأحيان السرديات المستخدمة لتفسيرها. وهكذا تكتسب العبارة معنى آخر: فهي لا تدعونا إلى النظر إلى إسرائيل بقدر ما تدعونا إلى ملاحظة طريقة عمل الدول.
الدولة في خدمة مصلحة جماعية
كثيرًا ما تُعزى نجاحات الأمم أو إخفاقاتها إلى مواردها، أو تحالفاتها، أو كفاءة قادتها. هذه العوامل مهمة، لكنها لا تفسر لماذا تنجح بعض الدول في النهاية في التعلم من تجربتها ومتابعة هدف يقاوم الزمن.
استمرارية الدولة
لا تُختزل الدولة في حكومة، ولا في إدارة، ولا في أولئك الذين يجسدون تاريخها. إنها أيضًا ذاكرة تراكم المعارف والخبرات، وتبني مؤسسات قادرة على العمل بما يتجاوز الأفراد الذين يدعون إلى خدمتها.
وربما هنا تكمن قوتها الحقيقية: لا في قدرتها على فرض إرادتها في لحظة معينة، بل في قدرتها على التفكير في فعلها عبر الزمن.
هذه الاستمرارية ليست مكتسبة أبدًا. فهي تفترض ثقافة معرفة، وقدرة على التحليل، ومؤسسات قادرة على تحويل المعرفة إلى فعل. وإذا كانت هذه القدرات تتطور أيضًا خارج الدولة، فإن ما يميز الدولة هو قدرتها على منحها استمرارية.
وهذا ما يسمح بتجاوز مفهوم «اللعبة» بوصفها مجرد ميزان قوى؛ فلا يتعلق الأمر بتحالفات سرية، بل بقدرة على التفكير في المؤسسات وتعبئتها في سبيل مشروع يتجاوز الأفراد المدعوين إلى خدمته.
ولعل هنا، على نحو مفارق، تبدأ أيضًا هشاشتنا. فالمجتمع الذي يعجز عن إحياء هذه الآليات لا يخاطر بأن يُهزم بقوة الآخرين بقدر ما يخاطر بأن يجهل طبيعة موازين القوى التي يواجهها.
تعلّم الدولة
إذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإنها تُلزمنا بمساءلة أنفسنا. فالسؤال الحقيقي قد لا يكون فقط سؤال موازين القوى التي نواجهها، بل سؤال قدرتنا على بناء المؤسسات القادرة على مواجهتها. ويتطلب ذلك أن تتغلب المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وأن يندرج الفعل العام في استمرارية تتجاوز الزمن السياسي وحده. هنا يُحسم جوهر الأمر. عندئذ لا يعود السؤال سؤال إسرائيل. إنه يصبح سؤالنا نحن.
خلاصة:
لفترة طويلة، اعتقدت أن عنوان مقال قديم لوالدي — «لسنا مستعدين لمواجهة لعبة إسرائيل» — كان يحيل فقط إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وبالنظر إلى الوراء، بدا لي أن الأمر لا يتعلق بإسرائيل بقدر ما يتعلق بالطريقة التي نفسر بها، من خلالها، العلاقة بين المصالح الخاصة والفعل الجماعي. وقد قادتني هذه القراءة الجديدة إلى مساءلة طريقتنا في فهم موازين القوى بين الأمم. غالبًا ما نفسر هذه الموازين انطلاقًا من النوايا التي ننسبها إلى الفاعلين: أيديولوجياتهم، وطموحاتهم، وخياراتهم السياسية. غير أن هذه النوايا لا تستنفد معناها أبدًا. فما يميز بعض المجتمعات على نحو مستدام ربما لا يتعلق بما تريده بقدر ما يتعلق بقدرتها على تنظيم مواردها، والتعلم من تجربتها، وإدراج الفعل العام في المدى الطويل. انطلاقًا من ذكرى شخصية، يقترح هذا المقال تأملًا في بناء الدولة، والاستمرارية المؤسسية، والشروط التي تسمح بتحويل المصالح الخاصة إلى فعل موجّه نحو الصالح العام.
سكينة اعلِ علاف





.jpeg)

.jpeg)