
تعكس أساليب التعامل مع الغش في الامتحانات الوطنية فجوة شاسعة بين الخطاب التربوي النظري والواقع الذي يعيشه التلاميذ. فكثير من الطروحات التربوية في هذا الجانب بالذات ما تزال تستند إلى مثالية لم تعد قادرة على مجاراة التحولات المتسارعة في سلوك المراهقين، ولا على منافسة إصرارهم على ابتكار وسائل وتقنيات جديدة للغش.
وفي الوقت الذي يواصل فيه بعض المربين الحديث عن قيم الأمانة والنزاهة بمنطق وعظي، ينظر كثير من المراهقين إلى الامتحانات بوصفها معركة مصيرية، ويعتبرون الغش فيها أنجع وسيلة لتجاوز خطر يهدد مستقبلهم الدراسي. وفي ظل هذا التصور، تتراجع لديهم مفاهيم مثل الاستحقاق والنزاهة أمام هاجس النجاح بأي ثمن.
وقد أفرز هذا التباعد في الرؤى حالة من الانفصال بين المدرسة وواقع المتعلمين، حتى بدت المنظومة التربوية وكأنها تتحدث بلغة تنتمي إلى زمن آخر، بينما يعيش التلاميذ في عالم تحكمه التكنولوجيا والذكاء الرقمي. ومن هنا، يعتقد بعض المربين أن تشديد الرقابة والعقوبات كفيل بالحد من الظاهرة، في حين يرى التلاميذ في كل إجراء جديد تحديًا يدفعهم إلى ابتكار وسائل أكثر تطورًا للتحايل.
لذلك، فإن مواجهة الغش لا ينبغي أن تقتصر على العقوبات أو تكثيف المراقبة، بل تستلزم مقاربة تربوية أكثر واقعية، تقوم على فهم دوافع المتعلمين، وتطوير آليات رقابية حديثة، إلى جانب ترسيخ ثقافة الاستحقاق وإعادة بناء الثقة بين المدرسة والتلميذ. فالغش لم يعد مجرد سلوك فردي، بل تحول إلى ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وتقنية، ولا يمكن الحد منها إلا بأدوات تربوية تواكب التحولات التي يعيشها الجيل الجديد.
وسنكون بعيدين عن الواقعية إذا راهنّا على المقاربة العقابية وحدها. فالمبالغة في العقاب قد تدفع التلاميذ إلى تبني منطق المواجهة، بما يكرس ثنائية «نحن وهم» بين المؤسسة التربوية والمتعلمين. وعندما يترسخ هذا الشعور، يتحول التلميذ من باحث عن المعرفة إلى باحث عن وسائل أكثر احترافية للالتفاف على قواعد الامتحان، فتتجه طاقته إلى تطوير أساليب الغش بدل توظيفها في التحصيل العلمي.
إن التركيز المفرط على الردع وحده قد يفضي، من حيث لا نشعر، إلى إنتاج آليات تناقض الأهداف التربوية نفسها. فالرهان الحقيقي لا يتمثل في كسب معركة ضد التلاميذ، وإنما في كسبهم إلى جانب المدرسة، من خلال بناء ثقافة تربوية تجعل النزاهة قناعة داخلية لا مجرد استجابة للخوف من العقوبة. وهذا ما يفرض اليوم اعتماد مقاربات أكثر واقعية ومرونة، قادرة على الحد من ظاهرة الغش في ظل ما تشهده من توسع وتطور متسارع في أساليبها، يجعل من التعامل مع ظاهرة بهذا التوسع بمنطق العقوبة فقط،أشبه بمعركة استنزاف ترسخ غياب الثقة بين كل الفاعلين في العملية التربوية.
د. أمم ولد عبد الله



.jpeg)

.jpeg)