
يصعب النظر إلى الجولة التي يقوم بها وزير الدفاع الموريتاني في دول الساحل بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع الذي تتشكل ملامحه أمام أعيننا. فقد سبقتها زيارة لافتة للرئيس البنيني الجديد روموالد وادنيي إلى عواصم تحالف دول الساحل، وتزامنت معها مؤشرات واضحة على تغير في نبرة الخطاب الإيفواري الذي ظل لسنوات يتخذ موقفاً متشدداً تجاه هذه الدول. وعندما تتقاطع التحركات في توقيت واحد وباتجاه واحد، فإن السياسة تدعونا إلى البحث عن الخيط الذي يجمع بينها أكثر مما تدعونا إلى التعامل معها كوقائع منفصلة.
والراجح أن باريس بدأت تدرك أن سياسة العزل التي اعتمدتها، بصورة مباشرة أو عبر حلفائها الإقليميين، لم تحقق النتائج التي كانت تأملها. فبدلاً من دفع دول الساحل إلى مراجعة خياراتها، ساهمت الضغوط المتواصلة في تعميق توجهها نحو شركاء جدد، وفي مقدمتهم روسيا وتركيا والصين. وهكذا تحول الحصار السياسي والاقتصادي إلى عامل دفع إضافي نحو إعادة تشكيل الخريطة الاستراتيجية للمنطقة، على نحو لم يكن في صالح المصالح الفرنسية التقليدية، فقد ارتفعت واردات الأسلحة من موسكو الى هذه الدول بنسبة 180%، كما تحولت وجهات تصدير المواد الخام منها إلى أنقرةوموسكو وبكين بشكل لافت ، مما جعل استمرار فرض العزلة يخدم منافسيفرنسا وليس العكس.
لقد قاد هذا الفهم المنتشر بوضوح في وسائل الإعلام ومواقع التواصلالاجتماعي في دول الساحل، الى موجة من التشكيك في نوايا الدول الثلاث،إلا أن نصيب موريتانيا من النقد والريبة كان ملفتاً، إذ اعتبر كثير منالناشطين والإعلاميين أن تحركاتها الدبلوماسية الأخيرة تحمل في طياتهاأبعاداً غير معلنة لاختراق تحالف الساحل من الداخل بعد أن فشل الغرب فيتطويقه من الخارج.
غير أن اللافت في التعامل الإعلامي في دول الساحل مع هذه الجولة، أنمعظم التقارير تعرف بموريتانيا في افتتاحياتها بعبارة "موريتانيا دولةصغيرة كما قال رئيسها غزواني أمام الرئيس اترامب "، حيث يبدو الامر وكأنه مجرد صياغة صحافية عابرة، وهو في الواقع إعادة إنتاج غير بريئة للعبارة التي أطلقها الرئيس ولد الغزواني في لقائه مع الرئيس الأميركيدونالد اترامب، حين قال بالفرنسية: "موريتانيا دولة صغيرة ولكنها فاعلة بموقعها ...الخ"، في محاولة منه لإظهار تواضع دبلوماسي يريد به كسب ودمضيفه، لكن العالم وخاصة الشعوب الافريقية التي تابعت اللقاء لم يعلق في ذهنها الا الشطر الأول من العبارة وهو الذي حدد الانطباع العام ، وهذا هو مكمن الخطورة.
صحيح أن العبارة قُطعت من سياقها، وصحيح أن الرئيس أرد بها التعبيرعن التواضع وليس الانكسار، لكن وقعها في القارة الإفريقية كان مدمراًبحق. ففي ظرف تاريخي يتسم بارتفاع منسوب المشاعر السيادية في كلربوع القارة، جاءت كلمة "دولة صغيرة" من رئيس دولة إفريقية في مشهد يراقبه كل افريقي، لتوحي وكأن موريتانيا لا تزال تنظر إلى نفسها بعيونالآخر، وتقبل بوضعها كقطعة صغيرة على رقعة الشطرنج الدولية، لا كلاعبله وزن في معادلات القارة.
وهذا يضعنا أمام إشكالية كبرى في الديبلوماسية الموريتانية، فمفهوم القوةالناعمة في إفريقيا يقوم أولا على الوعي بالمكانة، وعلى رفض أي خطابيوحي بالإنكماش أو التبعية ، وعندما يأتي هذا الخطاب من رئيس البلادنفسه، فإنه يحطم كل ما بنته الدبلوماسية الموريتانية من صورة على مدىعقود، ويجعل أي حركة دبلوماسية، مهما كانت نشطة وحتى ولو كان يقودها وزير دفاع في بلدان تعاني من تحديات أمنية، تستقبل بعين من الريبة وقلة الاهتمام، وكأن الجميع يقول إن الدولة التي تعاني من عقدة النقص عليها أنتتريث قبل عرض المبادرات و قبل أن تبدأ في الحديث عن دورها.
إن معالجة هذه الزلة على مستوى الأثر في القارة الافريقية لا بد أن يسيروفق ثلاثة مسارات متوازية.
المسار الأول، وهو الأصعب، ويتعلق بالجانب الرمزي والسيادي الداخلي،حيث لا بد من استجواب الرئيس ولد الغزواني أو مساءلته برلمانيا وبشكل علني حول هذا التصريح، ليس بهدف إيقاع عقوبة، بل بهدف إظهار أنالدولة الموريتانية ككل، بكل مؤسساتها وقواها الحية، تستنكف هذا الوصفوتعتبره لا يعبر عن حقيقة البلاد ولا عن مكانتها في محيطها الإقليميوالقاري. وبقدر ما أن هذا الإجراء هو إجراء برلماني أو سياسي ، فهو فيجوهره رسالة إلى الخارج والداخل أيضا مفادها أن موريتانيا أكبر من أنتوصف بهذا الوصف، وأن مؤسساتها قادرة على مساءلة من يخطئ في حقصورتها الوطنية.
أما المسار الثاني، فيتعلق بالقيام بحملة تصحيح للصورة في القارةالإفريقية، من خلال إبراز المواقف الموريتانية التاريخية التي تؤكد عكس هذهالصورة المتزايدة الانتشارفي وسائل التواصل. فلا يمكن أن تنسى القارةالافريقية أن الرئيس الموريتاني الأسبق المختار ولد داداه رفض في عام1970، دعوة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون لزيارته في واشنطناحتجاجا على رفض نيكسون مقابلة رئيس زامبيا كينيث كاوندا، الذي كانفي ذلك الوقت أمين عام منظمة الوحدة الإفريقية؛ وهو الموقف الموريتاني الشهير الذي عكس إحساساً قوياً بالسيادة والانتماء القاري، ويجب أن يظلمحفوراً في ذاكرة الدبلوماسية الإفريقية، وهو وغيره من المواقف الكثيرةشاهد على أن موريتانيا كانت دائماً دولة تعرف حجمها الحقيقي وتتصرفوفقاً لمبادئها.
كما لا يمكن إغفال زيارة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز للدولالإفريقية المصابة بفيروس إيبولا سنة 2015 حيث كان من بين القلائل الذينتطوعوا للسفر من أجل الدعم والمواساة إلى دول مثل غينيا وليبيرياوسيراليون في ذروة الأزمة، في موقف إنساني وسياسي لم يحظَ بالتغطيةالكافية حينها، لكنه يعكس وجهاً آخر لموريتانيا التي لا تخشى المخاطرة منأجل إفريقيا.
إن هذه المواقف، وغيرها كثير، تحتاج اليوم إلى إعادة تسليط الضوء عليها،لتكون جزءاً من حملة تصحيح الصورة التي تهدمت بسبب عبارة واحدة.
أما المسار الثالث فيرتبط بتوسيع دائرة الشركاء الاقتصاديين، وتطويرعلاقاتنا مع القارة الإفريقية بما يتجاوز الإطار الإقليمي الضيق، والانخراطفي مشاريع تنموية وأمنية تعيد تعريف دورنا كلاعب إقليمي له وزنه، وليسكدولة صغيرة تبحث عن دور في زوايا الطاولة.
لقد كانت هذه بالضبط هي السياسة التي انتهجها المختار ولد داداه والتي أعطت لموريتانيا صورة قوية ظلت تمهد الطريق لديبلوماسيتها على مدار العقود الماضية.
ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي تبيان الفرق بين المختار ولد داداه و الرئيس محمد ول الشيخ الغزواني على مستوى السياق الزمني، فهما رئيسانينتميان إلى وسطين اجتماعيين متشابهين إلى حد كبير، فالمختار وولدالغزواني، كلاهما ابن أرستقراطية مشيخية نبيلة، وكلاهما دارس ومثقف ،لكن الفارق بينهما هو في طبيعة الزمن الذي تشكلا فيه. فولد داداه ينتميإلى جيل التحرر والسيادة، الجيل الذي صاغ مفاهيم الدولة الوطنية فيمواجهة الهيمنة الاستعمارية، فكانت كلماته - مع الاقرار بثقافته ومساره الخاص - تحمل ثقل التاريخ وإرث المقاومة.
أما ولد الغزواني، فينتمي إلى جيل مختلف، جيل رأى الغرب بعين متضخمة،ورأى بلاده بعين منكمشة صغيرة، جيل تربى في ظل هيمنة الخطاب الغربي،وتعلم أن التقدم مرتبط بالرضوخ، وأن الكسب يكون بالتواضع المفرط،متناسياً أن التواضع في الدبلوماسية يتحول إلى انكسار عندما يُعرض علىأنظار الآخرين بهذه الصورة.



.jpeg)

.jpeg)