إلى الرئيس قبل الإعصار

ظللت سنين كلما قدمت رجلا لكتابة هذا المقال، أخَّر الانشغال أخرى، مع أن قلبي يدمى مما أقرأ وأسمع من شكوى الشاكين، وجؤار البائسين، وما ينشر عن فساد الصفقات، واختلاس الأموال، وهدر الموارد، والميزانيات الضخمة التي تذكر، ولا يرى لها أثر في البلد، إلخ. ويتضاعف وجدي كلمازرت البلد، فرأيت بعيني بعض ما كنت أقرأ وأسمع، فلا يدع لي ما أرى من سياسته أملا في أن يصير إلى خير مما هو عليه؛ لأن جل من يتولون أمره لا يظهر من تصرفهم ما يدل على أنهم يفكرون في إنجاز شيء، أو أنهم سُمُّوا في مناصبهم لإنجازه، وتدل سياسة جل من توالوا على الحكم أن ليس فيهم من فكَّر في بناء دولة، وإنما كانوا يسيرون البلد كما تسير دكاكيين السقط!وأشدُّ ما يفزعني من البلد، مذ عرفته: 

1- نضوب الأخلاق، وظمأ القلوب إلى المادة ظمأ لا يكون في الأسوياء! وماحلَّ هذان في بلد إلا أسرع إليه الخراب؛ فالأخلاق إذا نضبت، اختلتالموازين، وتداخلت الحدود بين المتناقضات، وصار همُّ الناس كيف ينالون نصيبا من الوطن الذي يقتسمه الملأ، كائنة ما كانت الوسيلة.

2- جِدُّ بعض السياسيين والمثقفين في تفكيك الشعب، ولا سيما كتلته الكبرى؛ ليكون البلد بلد أقليات، توزع فيه الثروة والمناصب بالمحاصَّة، فيحرم منها أجدر الناس بها، ويصطنع بها أو يُسكت من يرهب جانبه.

ومنذ أسابيع جهر بعضهم بالدعوة إلى تغيير الدستور؛ ليتاح للرئيس أن يبقى في الحكم ولاية ثالثة أو ما شاء. وهي دعوة غير غريبة في بلد، جمع إلى البداوة والأثرة (الأنانية)، وقلة الوعي ما علمنا من نضوب الأخلاق، والظمأ إلى المال. ولا يجهل أصحاب هذه الدعوة أن تغيير الدستور يعنيالكر على أهم إنجاز سياسي، أنجزه البلد، لمحوه، وإغلاق باب الأمل في الاستقرار، وتداول الحكم تداولا سلميا، تصان فيه الأرواح، والأموال، وتودَّع الانقلابات التي جعلت البلد عقودا كثيرة إذا أصبح لا ينتظر المساء، وإذا أمسى لا ينتظر الصباح،

وكأنَّا لم يرضَ فينا بريب الد     دهر حتى أعانه من أعانا!

ولا يخفى على الرئيس ما أراد أصحاب هذه الدعوة، ولا أن الرياسة لو كان فيها غيره، لطالبوا بتغيير الدستور من أجل بقائه فيها أيضا؛ لأن شخص الحاكم لا يهمهم، وإنما يهمهم من يحكم؛ فمن الصدق مع النفس ألا يعتدَّ بما يقولون، وألا يغفل عن أن تغيير الدستور من أكبر الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها رئيس في حق شعبه، وأن التذرع بما يقول أولئك ليس بخير مما تذرع به الذئب يوما إلى ما أراد بأمه. وليس من الممكن أن يكون ما يدعون إليهمعبرا عن رغبة شعب، يتضور جوعا، ويئن من الفساد المبين، ويغلي غيظا من الرئيس وحكومته، وحنقا عليهما، ويتفق جله على أن ما ذاق في عهده من الويل ما ذاقه قبله. والرئيس -بعدُ- أعلم الناس بما أنجز، وما في وسعه أن ينجز، وإن كان من غير اليسير أن يقوِّم المرء نفسه تقويما دقيقا، ومن الكثير أن يُزيَّن له سوء عمله؛ فيراه حسنا. ولا بأس بأن يرى أنه أحسنَ ما شاء وشاء الشعب، وأنجز أكثر مما أمَّلَ وأُمِّلَ منه، وأنه خير من حكمَ البلد ويحكمه، لكن ذلك لا يسوِّغ الانقلاب على الدستور؛ فـ"دفع المضرة أولى من جلب المصلحة"، وصون الدستور عن أهواء السياسيين خير للبلد من كل إنجاز، يمكن أن ينجزه رئيس؛ لأنه يعين على استنبات ثقافة الديموقراطية، وتداول الحكم تداولا سلميا، يجعل صناديق الاقتراع هي الباب الأوحد إلى الحكم، ويغلق باب الانقلابات، وما يتبعها من تعريض البلد للمجهول، ويلجم نزوات العطاش إلى الحكم من الضباط والجنود، الذين تنسيهم شهوة الحكمعواقب ما يقدمون عليه من الاستيلاء على الحكم بالقوة. والديموقراطيات التي تحدد مدة حكم الرئيس يبدع رؤساؤها ما شاؤوا، فإذا انقضت مدة أحدهم، رحل، ولم يفكر هو ولا واحد من شعبه في أن يغير الدستور؛ ليتيح له أن يواصل إبداعه! وأحوج البلدان إلى هذا بلد سياسيوه بداة متشاكسون، ظماء إلى الدنيا، ليس في بلدهم ما يَجِلُّ عن البيع، وشعبه غير منتج، وتندر فيه المؤهلات العلمية والمهنية التي يمكن أن تنافس في سوق العمل، وبه من الحاجة، والبداوة، وحداثة العهد بالدولة ما هو معلوم، وفي بعض البلدان التي حوله حروب. فإذا اختلَّ أمره -لا قدَّر الله- لم يجد بلدا يأويه إليه، وكانت مأساته من أعظم المآسي! وهذا مما ينبغي أن يحمل الراشدين من بنيه على الجد في الحؤول بينه وبين ما يُخاف عليه، ولا يعينهم على ذلك شيءكمعصية النافخين في نار العداوة بين الأشقاء، الذين إذا حاق بهم ما أرادوا بهم، تاجروا بمأساتهم كما تاجروا بالتفريق بينهم، وكما تاجر أمثالهمبشعوب الربيع العربي. 

  وطول العمل في مجال من مجالات الحياة يستنزف الطاقة، ويطفئ الحماسة، ويخمد روح الإبداع، والتوق إلى التجريب والاختراع، ويصرف عنالتفكير والتجريب، ويصيِّر العمل عادة ثقيلة مملة، لا روح لها ولا غاية، ولا سيما إذا أسن المرء، وتراجعت قدراته العقلية والبدنية. ومن مقاصدالديموقراطية أن تتيح للشعوب أن تجدد قياداتها، وتفيد من طاقاتها التي لم يستنزفها الإِلْف والعادة والسن. وقد تولى الرئيس ولايتين، أصاب فيهما من خير الرياسة وشرها، وغنمها وغرمها، وفعل ما أطاق، فليقنع بما أصاب، وليتح لغيره أن يصيب ويجربَ ويعمل؛ فالوطن شركة بين أبنائه. وإذا كان الخروج من الرياسة أمرا لا مفر منه، كالخروج من الحياة، فالخروج منها طوعا خير من الخروج كرها. ولكن الخروج وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل عاجل، يُتدارَك به البلد قبل وقوع ما لا تحمد عقباه: فالشعب يغلي، ويستبد به السخط، واليأس، وليس عنده ما يخسر، وفيه من يسعون في تفجيره، وأن يحمل بعضه السلاح على بعض؛ لأن ذلك يعجِّل بهم إلى ما يتحرقون إليه من حكمه، وأعداء البلد كثر، وهم يتربصون به الدوائر، ويودون لو شغلوا الناس بأنفسهم، فخلا لهم من ثروات البلد ما يشاؤون. والذي ينزع الفتيل هو أن يؤلف الرئيس فيما بقي من ولايته الثانية حكومة خبراء متخصصين (تكنوقراط)، أقوياء أمناء، يثق بهم الشعب، فيطلق يدهم في إدارة البلد، ليستخلصوا ما نهب من أمواله، ويضعوها حيث ينبغي أن توضع، ويديرواالموارد كما ينبغي أن تدار، ويرفعوا عن الشعب ما وقع عليه من الحيف، ويخففوا عنه ما هو فيه من البؤس والشقاء، ويقنعوه بأن من الممكن أن تكون له حكومة، تخدمه، وتصلح شأنه، دون مقابل. 

ويا خوف فؤادي ألا يقرأ الرئيس مقالي، أو يقرأه ثم لا يرفع به رأسا؛ لأن لشركائه رأيا آخر، أو لثقته بأنْ "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، ولئن فعلَ، لقد قالت حنَّا أرندت: "في الاستبداد يكون كل شيء على ما يرام حتى ربع الساعة الأخير!". فإن كان بيد الشعب، ولا سيما العلماء، والسياسيين، والمثقفين ما يفعلون، فليتداركوا وطنهم قبل فوات الأوان، فإن آثروا الصمت،فليستعدوا لمخيمات اللاجئين، إن وجدوا بلدا يستقبلهم لاجئين! (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

 

أحد, 20/09/2026 - 18:58