واجب التحفظ… بين حماية الدولة وحدود حرية التعبير

في الديمقراطيات التي تقوم على الشفافية، قد يبدو وجود ما يُعرف بـ«واجب التحفظ» أمراً متناقضاً للوهلة الأولى. غير أن هذا الالتزام، الذي يفرض قيوداً على حرية التعبير بالنسبة لبعض موظفي الدولة، يشكل أحد المرتكزات الأساسية لحسن سير مؤسساتها. ولا يقتصر هذا الواجب على العسكريين أثناء الخدمة، بل يمتد أيضاً إلى من غادروا وظائفهم، سواء كانوا عسكريين أو مدنيين، متى كانوا قد اطلعوا على معلومات أو معطيات حساسة خلال مسيرتهم المهنية أو بعدها.

وفي موريتانيا، حيث يحتل الجيش موقعاً محورياً في بنية السلطة منذ انقلاب عام 1978، يكتسب واجب التحفظ أهمية خاصة تتجاوز كونه مجرد مبدأ قانوني. فهو يمثل آلية لحماية الدولة من الانزلاقات الإعلامية والسياسية التي قد تصدر عن أشخاص بحكم مناصبهم السابقة يمتلكون معلومات دقيقة، ويجسد استمرارية المصلحة العليا للدولة بعيداً عن الاعتبارات المرتبطة بالمسارات الفردية.

ويقصد بواجب التحفظ التزام الموظف العمومي بإبداء قدر من الاعتدال وضبط النفس عند التعبير عن آرائه الشخصية. فهو لا يمنع حرية التفكير، وإنما ينظم أسلوب التعبير عنها بما لا يضر بالمصلحة العامة أو بصورة الإدارة التي ينتمي إليها. ويختلف هذا الواجب عن مبدأ الحياد، الذي يفرض على الموظف أثناء أداء مهامه، كما يختلف عن واجب السر المهني، الذي يتعلق بالمعلومات والوثائق التي يطلع عليها بحكم عمله. وفي موريتانيا، يضع النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، الصادر بموجب القانون رقم 93-09 بتاريخ 18 يناير 1993، الأساس القانوني لهذا الالتزام بالنسبة للموظفين المدنيين، مع استثناء القضاة والعسكريين الذين يخضعون لأنظمة قانونية خاصة.

 

الإبقاء على واجب التحفظ

 

وبالنسبة للعسكريين، يتعزز هذا الواجب بفعل الخصوصية السياسية التي عرفها تاريخ البلاد. فقد اتخذت الحكومة مؤخراً خطوة مهمة بإحالة مشروع قانون إلى البرلمان يمنع العسكريين العاملين، وبعض الضباط المتقاعدين، من ممارسة أي نشاط سياسي. وكان مجلس الوزراء قد صادق على المشروع في اجتماعه المنعقد بتاريخ 10 يونيو 2026.

ويقضي المشروع بحظر المشاركة في النقاشات السياسية، ونشر أو توزيع المواد ذات الطابع السياسي، وتوقيع العرائض، وجمع الأموال لأغراض سياسية. ويعتبر هذه الأفعال إخلالاً بواجب التحفظ وخطأً مهنياً جسيماً يعرض مرتكبيه لعقوبات تأديبية، وقد يفضي، عند الاقتضاء، إلى ملاحقات جزائية.

كما يوسع مشروع القانون نطاق واجب التحفظ والسر المهني ليشمل جميع أفراد القوات المسلحة من غير الضباط، سواء كانوا في الخدمة أو خارجها. وعند سؤاله عن إمكانية ممارسة الضباط العامين للعمل السياسي بعد التقاعد، أوضح الناطق باسم الحكومة، حسين ولد مدو، أن القانون ينص على فترة تمتد خمس سنوات بعد الإحالة إلى التقاعد يمكن خلالها استدعاء الضابط العام إلى الخدمة في أي وقت، مضيفاً أنه يصبح بعد انقضاء هذه المدة حراً في الانخراط في النشاط السياسي. ويعكس هذا التوجه رغبة السلطات في الإبقاء على التزام التحفظ خلال فترة معتبرة حتى بعد انتهاء الخدمة.

ولا يقتصر واجب التحفظ على العسكريين، بل يشمل جميع موظفي الدولة، ويزداد تشدداً كلما ارتفعت المسؤوليات التي يشغلها الموظف. فالقانون رقم 93-09 يفرض على الموظفين واجب السر المهني فيما يتعلق بجميع الوقائع والمعلومات والوثائق التي يطلعون عليها أثناء أداء وظائفهم.

أما كبار المسؤولين، مثل الولاة والسفراء وغيرهم ممن أتيحت لهم فرصة الاطلاع على الملفات الأكثر حساسية، فإن هذا الالتزام يكاد يكون مطلقاً. فالمسؤول السامي المتقاعد الذي شارك في لجان حكومية عليا أو اطلع على تقارير استخباراتية يظل ملزماً بالحفاظ على سريتها، وإذا قرر إصدار كتاب أو الإدلاء بتصريحات إعلامية، فعليه أن يتأكد من عدم كشف أي معلومات تدخل ضمن أسرار الدفاع الوطني.

وأكد الوزير الأول المختار ولد أجاي أن الغاية الأساسية من مشروع القانون هي «تعزيز واجب التحفظ وحماية السر المهني، بما يصون المعلومات المتعلقة بالدفاع والأمن الوطني». وأضاف أن الإصلاح يهدف كذلك إلى «تكريس مبادئ الانضباط والولاء والحياد الملازمة للوظيفة العسكرية، سواء أثناء الخدمة أو بعد انتهائها».

 

 

تعزيز واجب التحفظ

 

في عصر الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح تطبيق واجب التحفظ أكثر تعقيداً. فقد أزالت المنصات الرقمية الحدود التقليدية بين الحياة الخاصة والحياة المهنية، وأصبح تعليق بسيط على الإنترنت كفيلاً بأن يُفسَّر باعتباره موقفاً سياسياً يتعارض مع الالتزامات الوظيفية.

وفي موريتانيا، يكتسب هذا النقاش بعداً سياسياً خاصاً، إذ يأتي مشروع القانون في وقت تقترب فيه البلاد من عام 2029، وهو العام الذي تنتهي فيه الولاية الثانية للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. ويرى بعض المراقبين أن هذه الإصلاحات قد تمنح الفاعلين المدنيين داخل النظام هامشاً أكبر، عبر الحد من قدرة العسكريين على التأثير العلني في معركة الخلافة المقبلة، رغم أن وزير الدفاع، المنتمي إلى المؤسسة العسكرية، يعد من بين الأسماء المطروحة لمرحلة ما بعد الرئيس الحالي.

وتطرح هذه الخلفية السياسية سؤالاً جوهرياً: هل يكفي إصدار قانون لإبعاد المؤسسة العسكرية عن المجال السياسي، وهي التي ظلت طوال ما يقارب نصف قرن جزءاً أساسياً من معادلة الحكم في موريتانيا؟ فالقانون قد يحد من التعبير السياسي للعسكريين، لكنه لا يغير، بمفرده، طبيعة موازين القوى التي تشكل بنية النظام. ومن ثم يبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين ضمان حرية التعبير وصون مقتضيات التحفظ التي تتطلبها مصلحة الدولة.

إن واجب التحفظ ليس إرثاً من ماضٍ سلطوي، بل هو التزام بالولاء للدولة وخدمة المواطنين. فمن خلال فرضه قدراً من التريث والكتمان على من اطلعوا على أسرار الدولة، يضمن عدم توظيف المعلومات الرسمية لأغراض شخصية أو سياسية، ويحافظ على مصداقية الخطاب العام.

وسواء تعلق الأمر بعسكري في الخدمة، أو جنرال متقاعد لا يزال خاضعاً لفترة الخمس سنوات، أو مسؤول مدني رفيع، فإن هذه المسؤولية لا تنتهي بمجرد انتهاء المسار الوظيفي. وبينما تستعد موريتانيا لإقرار مرحلة جديدة من إصلاح منظومتها القانونية، فإن الرهان يتجاوز مجرد التشدد في الانضباط الإداري، ليطال تحقيق التوازن بين السلطة المدنية والسلطة العسكرية، وبناء ديمقراطية يكون فيها التزام البعض بالتحفظ ضمانة لحرية الجميع.

 

سيد محمد بيبكر
عقيد متقاعد

اثنين, 13/07/2026 - 08:57