
تناقلت بعض وسائل الإعلام أمس خبر تعميم سري أمريكي أصدره وزيرالخارجية ماركو روبيو إلى جميع سفارات وقنصليات الولايات المتحدة، يحثّهاعلى استغلال كافة إمكاناتها لإقناع مسؤولي الدول بأن المشاركة فيمراسم تشييع قائد إيران الراحل الإمام علي خامينئي ستعدها الولايات المتحدة "خطوة غير ودية" وستجرّ تداعيات سلبية على العلاقات الثنائية معواشنطن.
ومن اللافت أن دولاً مثل السنغال لم تستجب لهذا الضغط، وكذلك بوركينافاسو التي شاركت عبر وزير خارجيتها ضمن وفد رفيع، مؤكدةً استقلاليةقرارها الوطني. غير أنه في المقابل، تشير التقارير إلى أن ثلاث عشرة دولةأخرى عدلت عن المشاركة بسبب ضغوط مارستها الولايات المتحدة وآثرتالاختباء خلف ذرائع الصمت وتجاهل الحدث..
والحقيقة أنما قامت به السنغال وبوركينا فاسو هو موقفٌ يُحسب لهما فيسجل الدبلوماسية الشجاعة، إذ أدركتا أن المشاركة في مناسبة إنسانيةوسياسية كبرى ، ومأتم بهذه الحجم (عشرين مليون مشيع)، ليست مجردبروتوكول دبلوماسي عابر، بل إن المشاركة هي رسالة سيادة تُقرأ في كلالعواصم.
هاتان الدولتان اختارتا أن تكونا في قلب المشهد، لا في هامشه، وأن تضعامصالحهما المستقبلية فوق مخاوف الساعة، متنبهتين، وبذكاء كذلك إلىحقيقة ثابتة، وهي أن إيران ليست دولة يمكن تهميشها أو تجاوزها، بل هيلاعب رئيسي في شطرنج العالم اليوم وغدا، ومن يتغافل عن ذلك سيدفعالثمن من خياراته في المستقبل.
غير أن المفاجأة الأكثر دلالةً، أن بعض هذه الدول الثلاث عشرة التي عدلت مواقفها تحت الضغط الامريكي والغربي حاولت مداراة موقفها، بإبداءالرغبة في المشاركة عبر ممثليها الدبلوماسيين المعتمدين في طهران، لكنالحكومة الإيرانية رفضت منحهم التصاريح الرسمية اللازمة، مع اقتراحالمشاركة في التشييع مع الجماهير معتبرةً أن التمثيل عبر السفارة لا يعوّضعن غياب الوفد الرسمي الراقي المستوى. وهذا الرفض الإيراني الموجع اعتبر من مراقبين كمؤشر على مدى خيبة الأمل التي أصابت طهران من مواقف تلك الدول التي راهنت على غير الرابح، وأضاعت فرصة استراتيجية لن تعود،تاركةً إياها في دائرة البرود الدبلوماسي التي يصعب ترميمها لاحقاً.
أإن الدول التي تعتمد منهج المراقبة الحذر من بعيد، وتظن أن الصمتوالتجاهل سيحميانها، إنما تغرق في عمى دبلوماسي لن تكتشف حجمهبسرعة وربما لن تكتشفه أبدا، فالواقع أن عام الوفود الى ايران قادم، وبالأخص الوفود العربية، التي ستتابع وتتوالى تباعاً باتجاه طهران في الاشهر والسنوات القليلة القادمة، حاملةً رسائل الصداقة الجديدة -بل وربماأكثر من من الصداقة - بينما ستجد الدول الإفريقية المترددة نفسها غداًتركض خلف الركب، محاولةً اللحاق بما فاتها دون جدوى.
إنها لحظة الحقيقة التي تقتضي استباق الأمور، والوصول مبكراً إلى ما لابدمنه في المستقبل؛ لأن من ينتظر حتى تظهر النتائج على الأرض، وتتحدد خرائط القوة والنفوذ واضحة، سيضطر إلى دفع ثمن مضاعف، بينما يجدالآخرون الذين استيقظوا باكراً أنفسهم في قلب المشهد، بعيدا عن الزحام أمام الباب أو في قاعات الانتظار.



.jpeg)

.jpeg)