ارتدادات الأزمة المالية والحاجة الملحة إلى هندسة أمنية جديدة

مع الهجمات التي نفذتها الجماعات الجهادية ومقاتلو جبهة أزواد يومي 25 و26 أبريل 2026، دخلت منطقة الساحل مرحلة جديدة من الاضطرابات الحادة تتمحور حول مالي، التي تواجه ضغوطاً أمنية ومؤسساتية غير مسبوقة بعد استهداف مراكزها الحيوية. وقد كشفت هذه الهجمات المنسقة والمتزامنة عن ثغرات خطيرة في المنظومة الأمنية المالية، وأظهرت حجم الاستنزاف الذي تعانيه القوات المسلحة المالية وحلفاؤها الروس، في ظل أزمة إنسانية متفاقمة نتيجة استراتيجية الخنق التي تعتمدها الجماعات المتمردة.

تشكل هذه التطورات اختباراً حقيقياً لتحالف دول الساحل. فعلى الرغم من إظهار بوركينا فاسو والنيجر تضامناً سياسياً كاملاً مع مالي دعماً للمشروع الكونفدرالي، فإن هجمات أبريل 2026 كشفت بصورة واضحة نقاط الضعف البنيوية داخل التحالف.

فخطاب السيادة الجماعية يصطدم بواقع ميداني صعب، ويبرز محدودية فكرة الدفاع المشترك بين دول تكافح كل واحدة منها من أجل ضمان أمنها واستقرارها الداخلي.

وبفعل انشغالها بمواجهة التمردات المسلحة داخل أراضيها، تبدو بوركينا فاسو والنيجر عاجزتين عن إرسال قوات مؤثرة لدعم الجيش المالي. ويؤكد هذا الوضع أن تقاسم القدرات العسكرية داخل التحالف ما يزال أقرب إلى الطموح النظري منه إلى الواقع العملي، في ظل غياب احتياطيات استراتيجية مشتركة.

كما تكشف هذه الحالة استمرار اعتماد الدول الأعضاء على فاعلين عسكريين خارجيين، وهو ما يتناقض مع الخطاب القائم على الاستقلالية والسيادة. وفي ظل غياب قيادة عسكرية موحدة، ومنظومة لوجستية متكاملة، وقدرات جوية مشتركة، يبدو التحالف أقرب إلى إطار للتضامن السياسي والدبلوماسي منه إلى منظومة دفاعية قادرة على تغيير موازين القوى.

وقد تؤدي هشاشة الوضع في مالي إلى منح الجماعات المسلحة زخماً إضافياً في مختلف أنحاء المنطقة، بما يؤكد أن أياً من عواصم الساحل ليس بمنأى عن الخطر.

موريتانيا في مواجهة ارتدادات الأزمة: نحو استراتيجية للتحصين

في المقابل، قد تمتد تداعيات هذه الأزمة إلى موريتانيا التي ظلت حتى الآن تُعد استثناءً نسبياً في المشهد الأمني المضطرب بالساحل.

فالهشاشة المتزايدة على الحدود الموريتانية ـ المالية حولت شرق البلاد إلى منطقة احتكاك مرتفع، في ظل تسجيل خروقات متكررة للحدود خلال عمليات مطاردة تنفذها القوات المالية وعناصر “أفريكا كوربس” الروسية.

كما أن تدفق عشرات الآلاف من المدنيين الفارين من مناطق القتال نحو مخيمات اللاجئين المكتظة أصلاً يفرض على موريتانيا أعباءً اقتصادية وأمنية وإنسانية غير مسبوقة، وقد يؤدي إلى فتور دبلوماسي ملحوظ في العلاقات مع مالي.

وأمام هذا الخطر، تصبح موريتانيا مطالبة باعتماد استراتيجية أمنية متعددة الأبعاد، تقوم على تعزيز الانتشار العسكري والاستخباراتي على الحدود الشرقية، وتوسيع منظومات المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات، مع وضع قواعد اشتباك واضحة تردع أي خرق للسيادة الوطنية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

كما يجب أن تترافق هذه اليقظة الأمنية مع جهود مستمرة لتحصين الجبهة الداخلية من خلال برامج التوعية ومواجهة الخطابات المتطرفة.

وعلى المستويين الإنساني والدبلوماسي، يتعين على موريتانيا العمل على تعبئة دعم دولي أكبر لإدارة أزمة اللاجئين، عبر تعزيز مساهمة وكالات الأمم المتحدة في تمويل المخيمات وتطوير أنظمة التسجيل والرقابة البيومترية، بما يمنع تحولها إلى مناطق إعادة تمركز للجماعات المسلحة.

وفي الوقت ذاته، ينبغي الحفاظ على حوار صريح ومتواصل مع السلطات المالية لضمان احترام السيادة الوطنية، مع توثيق أي تجاوزات محتملة لدى الهيئات الدولية، بما يكرس سياسة تقوم على الحياد اليقظ والقوة الرادعة.

 

 

ضرورة بناء تآزر إقليمي في مواجهة الإرهاب

 

إن الطبيعة العابرة للحدود التي تميز الجماعات الإرهابية في الساحل تجعل أي مقاربة أمنية وطنية خالصة غير كافية.

فهذه الجماعات تستفيد من اتساع المجال الجغرافي وهشاشة الحدود لإقامة قواعد خلفية وتنظيم شبكاتها اللوجستية وإعادة الانتشار بعيداً عن سلطة الدول. وغالباً ما يؤدي الضغط العسكري في دولة معينة إلى انتقال المقاتلين نحو دولة مجاورة، ما يخلق حالة من الترابط الأمني بين مختلف بلدان المنطقة.

ومن ثم، فإن مواجهة هذا التدهور الخطير تتطلب تنسيقاً وثيقاً للجهود العسكرية والعملياتية، لا يقتصر على استخدام القوة، بل يشمل أيضاً تبادل المعلومات الاستخباراتية وتعزيز المراقبة المشتركة للحدود وإطلاق مشاريع تنموية عابرة للحدود تعالج الأسباب العميقة للتطرف والتجنيد المسلح.

 

 

نحو هندسة أمنية جديدة للساحل

 

إن فشل مجموعة الساحل الخمس، الذي تغذى من الخلافات السياسية والاعتماد المالي الخارجي وانسحاب دول تحالف الساحل منها، لا يعني سقوط فكرة العمل الأمني المشترك، بل يفرض إعادة ابتكارها بالكامل.

ويقتضي ذلك إنشاء إطار أمني إقليمي جديد يتجاوز الانقسامات السياسية الحالية بين الأنظمة الانتقالية والحكومات المدنية، ويضم جميع الدول المتأثرة أو المهددة بتمدد الإرهاب، بما في ذلك دول تحالف الساحل وموريتانيا وتشاد والسنغال، فضلاً عن دول خليج غينيا التي أصبحت حدودها الشمالية أكثر عرضة لعدم الاستقرار.

ولكي يكون هذا الإطار قابلاً للحياة، ينبغي أن يقوم على ملكية إقليمية حقيقية وتمويل سيادي مستقل. وبدلاً من السعي إلى إنشاء قوة عسكرية مركزية ضخمة، يجب التركيز على المرونة العملياتية من خلال تطوير قابلية التشغيل البيني لأنظمة الاتصال، واعتماد آليات قانونية متبادلة للمطاردة عبر الحدود، وإنشاء وحدات تدخل مشتركة خفيفة وسريعة الحركة في المناطق الحدودية.

إن بناء هذه الشراكة الأمنية القائمة على المصالح الوجودية المشتركة وحده الكفيل بتمكين المنطقة من إقامة سد دفاعي موثوق في مواجهة مخاطر الانهيار الشامل.

 

 

العقيد المتقاعد محمد الأمين الطالب جدو

جمعة, 19/06/2026 - 14:13