بين محاكم دولية وداخلية وعزلة أممية.. نتنياهو في ايامه الأخيرة يزعم "الدولة الفلسطينية خطر وجودي على اسرائيل"..!!

لم تعد عزلة إسرائيل الدولية مجرد تقارير في اروقة مراكز استطلاعات الرأي ويتم تداولها في كواليس الدبلوماسية الغربية فحسب، بل تحولت إلى أزمة وجودية تطارد المجتمع الإسرائيلي خارجياً وتؤرقه من الداخل ومن المرجح انها سيكون لها دوراً حاسماً في تُشكيل ملامح المشهد السياسي الاسرائيلي المنبثق عن انتخابات الكنيست المقبلة المقررة خلال اقل من شهر.

وفي هذا السياق تظهر أرقام استطلاعات الرأي صدمة الشارع من التراجع الجيوسياسي غير المسبوق الذي يعيشه الكيان المحتل، فقد أظهر أحدث استطلاع للرأي أعده معهد "لازار للبحوث" ونشرته صحيفة معاريف يوم 25 سبتمبر 2026 تفاقماً حاداً في أزمة الشرعية التي تطوق تل أبيب؛ إذ عبّرت أغلبية ساحقة بلغت 62% من الشارع الإسرائيلي عن قلقها البالغ من تفاقم العزلة الدولية، بينما ارتفعت هذه النسبة بين ناخبي المعارضة إلى 88% ممن يخشون فقدان الحماية الغربية التاريخية التي تعتبر العمود الفقري للقوة العسكرية واكسير الحياة للكيان. 

سياسياً, أظهر الاستطلاع ذاته تراجع ائتلاف نتنياهو (الليكود والأحزاب الدينية واليمين المتطرف) ليستقر عند حدود 49-50 مقعداً، ما يعني استبعاد أي فرصة للوصول إلى أغلبية الـ 61 مقعداً المطلوبة لتشكيل الحكومة المقبلة. في المقابل، واصل حزب "يشار" بزعامة منافسه على رئاسة الحكومة غادي آيزنكوت رئيس الاركان الاسبق تصدره المشهد الانتخابي بـ 22 مقعداً متقدماً على الليكود (18 مقعداً)، وهو ما يعكس رغبة شريحة واسعة من الناخبين في الرهان على قيادة ذات خلفية عسكرية متمرسة سعياً لترميم ما انكسر مع العواصم الغربية. 

وفقاً لكل المؤشرات الداخلية والخارجية فان نتنياهو شارف على نهاية حياته السياسية, وهو يدرك ذلك جيداً, لذاك هو يحاول بكل ما اؤتي من قوة على تجنب هذا المصير القاتم, لانه يعرف ما ينتظره بعدها, لذا ها هو يستميت في محاولاته الفوز في هذه المعركة المقبلة والمصيرية والتي ان نجح فيها (وهو مستبعد) ستكون الفترة الاخيرة لبقائه السياسي؛ لذا من ليس من المستغرب ان يلجأ الى توظيف كل خدعه ومهاراته وحيله بما في ذلك التشكيك في ولاء وكفاءة منافسيه رغم انهم كلهم كانوا يوماً وزراء واعضاء في حكومة الى جانبه.

تزامن نشر الاستطلاع المذكور مع مشاهد دراماتيكية شهدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم الخميس 24 سبتمبر؛ عندما انسحبت وفود نحو 100 دولة من القاعة لحظة اعتلاء نتنياهو المنصة، احتجاجاً على استمرار حرب الإبادة والتطهير العرقي التي ارتكبها وما زال في قطاع غزة والضفة الغربية,وتعبيراً عن الرفض الدولي الحاد لجرائمه وممارساته الدموية وانتهاكاته الدائمة للقوانين والشرائع والاعراف الدولية. وقابَل نتنياهو إنسحاب الوفود واخلاء القاعة الدراماتيكي بغطرسة وعنجهية وبدء كلمته بمهاجمة الوفود المنسحبة وتوجيه شتائم واتهامات مباشرة لها بالجبن, في تجاهل صارخ وانتهاك فج وفاضح للاعراف الدبلوماسية في مكان يفترض انه معقل الدبلوماسية الدولية. 

ولم تكن زيارة نتنياهو لنيويورك والمشاهد التي تخللتها مجرد نكسة إعلامية، بل كانت عزلة دولية شديدة الوضوح عززتها تصريحات قاسية من قلب تل ابيب وواشنطن, فقد وصف المحلل الاستخباري الاسرائيلي باراك سيري الزيارة بأنها "قصيرة جداً وخالية من أي لقاءات ذات أهمية"، مؤكداً أن نتنياهو بات شخصية "منبوذة" لا يرغب حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب او حتى وزير خارجيته روبيو في استقبالها, من جهته فقد حذر السفير الأمريكي الأسبق لدى تل أبيب، دان شابيرو، من تآكل الحماية الحزبية المزدوجة (Bipartisan Insulation) التي طالما شكلت جدار الصد الأول لسياسات الاحتلال داخل واشنطن. 

هذا وفي سياق ذو صلة, ضمن محاولاته المحمومة للهروب من تداعيات هذا الانكشاف، جاءت زيارة نتنياهو الخاطفة لعدّة ساعات إلى دولة الإمارات, ووفقاً لما كشفته صحيفة هآرتس، لم تكن الزيارة لبحث ملفات استراتيجية بقدر ما كانت محاولة لاستجداء "طوق نجاة من أبوظبي" وطلب نفي رسمي من رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد للتقارير التي أكدت اتصاله بنتنياهو قبل أيام من 7 أكتوبر 2023 لتحذيره من عمل وشيك وكبير أعدته حركة حماس.

تكشف هذه التسريبات القاع العميق الذي وصل إليه التقييم السياسي لنتنياهو قبيل حربه على قطاع غزة؛ حيث تعمد تجاهل التحذيرات الإقليمية الأمنية لأنه كان يعتقد, وفقاً لمقربين منه, أن اتفاق التطبيع مع السعودية كان "في جيبه". وكان نتنياهو يخشى أن يؤدي أي تحرك عسكري أو تصعيد في قطاع غزة إلى عرقلة تلك الصفقة التي كانت ستخلده في التاريخ كما كان يتصور وستتوجه "ملكاً" للمنطقة كما كان يحلم, فإذا ها هو اليوم، يلهث متوسلاً خلف نفي إماراتي لتجريد خصومه السياسيين من إدانته القاتلة بالإهمال والتضحية بالأمن القومي لقاء مكاسب استعراضية, وهذا ان ثبت سيكون له عواقب وخيمة عليه لا تقل خطورتها عن عواقب الاتهامات التي يواجهها في المحاكم الاسرائيلية وحتى الدولية.

مع إدراكه لاقتراب نهايته السياسية واشتداد الخناق حوله، لجأ نتنياهو بالاضافة الى اللهاث خلف دعم إماراتي, إلى سلاحه التقليدي المجرب, استراتيجية التجييش القائم تخويف الناخبي, . فقد خرج بتصريح مباشر يلخص عقيدته الانتخابية القذرة حذّر فيه من أن "التصويت لغير الليكود يعني مباشرة إقامة دولة فلسطينية".

يأتي هذا التصريح المقزز بالرغم من إعلان جميع منافسيه الأبرز من نفتالي بينيت ويائير لابيد إلى غادي آيزنكوت وافيغدور ليبرمان رفضهم القاطع لإقامة دولة فلسطينية؛ إلا أن نتنياهو يصر على تفكيك الوسط واليمين المعتدل واختزال المعركة في قطبية ثنائية يسهل عليه التعاطي معها وهي  إما الليكود واليمين الاشد تطرفاً، وإما يسار سيعمل على اقامة دولة فلسطينية في الاراضي الفلسطينية المحتلة ف الضفة الغربية وقطاع غزة وهذا الامر  سيهدد وجود إسرائيل" .

نتنياهو يعرف ان ذلك كذب ويعرف انه يكذب ولكنه يهدف من هذا التكتيك إلى :

1. صرف الانظار عن تجاهله وإهماله المتعمد لتحذيرات عالية المستوى سبقت السابع من اكتوبر كان من شانها لو اخذها على محمل الجد ان تجنب المنطقة كل تلك الكوراث المرعبة التي شهدتها في السنوات الثلاثة الماضية, وتحويل كل ذلك إلى سجال أيديولوجي حول "خطر الدولة الفلسطينية الوجودي " المزعوم.

2. تحويل الاهتمام عن الكوارث التي ارتكبها بمشاركة عصابته الارهابية على اثر حربه الفاشلة على قطاع غزة وحربه الغير محسوبة على ايران التي جر الولايات المتحدة اليها, وما كان لذلك من تداعيات امنية واقتصادية ضخمة ناهيك عن العزلة الدولية الغير مسبوقة تاريخياً .

3. التشكيك في كفاءة منافسيه سياسياً واستراتيجياً ووصفهم بـ "الضعف السيادي"., على الرغم ان بينهم رئيس وزراء, ورئيس اركان ووزراء.

4. شحن القاعدة اليمينية المتطرفة و دفع الناخبين المذعورين إلى الهروب للخطاب الأكثر تشدداً خوفاً من فوز من يعتبرونه "معتدلين". 

اخر الكلام:

مشاهد قاعة الأمم المتحدة الفارغة، وأرقام استطلاعات معاريف، والفشل في عقد مجرد لقاء مع الرئيس الامريكي او اي مسؤول امريكي مهم والاستجداء لطلب دعم مصيري من طرف اقليمي، كل ذلك يثبت أن استراتيجية نتنياهو للهروب إلى الأمام واستخدام الفائض العسكري دون أفق سياسي لم تحقق سوى بدء تهتك المظلة الدولية لإسرائيل وتعميق أزمتها الداخلية.

كذلك لجوء نتنياهو الأخير لشبح "الدولة الفلسطينية" والتوسل لحلفاء إقليميين لنفث الروح في روايته لا يعكس قوة "سياسي محنك" كما يحلو له تصوير نفسه، بل يكشف ذعر رجل دولة يدرك أن فهلواته غير كافية لانقاذه بسبب حجم الكوارث الرهيب التي تسبب بها وان ألاعيبه "السحرية" لم تعد بمستوى تحديات المرحلة واكتشف ان جرابه قد اصبح خاوياً وخالياً من اي أوراق (داخلية او خارجية) مهمة من شأنها ان تساعده او تحميه، وأن الشارع داخلياً والحلفاء خارجياً باتوا يروا في بقائه العبء الأكبر على مستقبل تل أبيب الاستراتيجي, ومن الافضل للعالم التخلص منه.

 

د. سمير الددا

[email protected]

 

أربعاء, 30/09/2026 - 15:11