النائب بيرام.. أي موريتانيا يريدها؟

مساهمة في الإجابة على السؤال الوطني:
 أي موريتانيا نريد؟

حين طرح صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في مدينة أطار سؤال «أي موريتانيا نريد؟»، كان يسعى إلى نقاش أعمق وأوسع حول الدولة التي نريد، ومؤسساتها، وحكامتها، وحاضرها ومستقبلها. فالأمر لا يتعلق بثوابت البلاد وهويتها ومقوماتها، التي تشكل محل إجماع وطني، وإنما بما ينبغي أن تكون عليه دولتنا في ظل التحولات التي يشهدها المجتمع والعالم.

لقد شارك النائب بيرام الداه اعبيد، في هذا النقاش العام، عبر مقال منشور، وهو أمر مهم ومطلوب فالسؤال موجه لكل الموريتانيين، لكنها مشاركة لم تكن موفقة، إذ غلب عليها التشخيص الخاطئ وتبخيس الحصيلة واستدعاء النقائص، أكثر مما قدمت تصورا متكاملا لجوهر السؤال.

غير أن من حق الموريتانيين، وهم يقرأون هذه الإجابة والمشاركة، أن يتساءلوا عن صاحبها ومساره: أي موريتانيا قدمها النائب بيرام في خطابه السياسي طوال السنوات الماضية؟

فهو الذي جعل من الخطاب الشرائحي والفئوي عنوانا بارزا في ممارسته السياسية، وحمل هذا الخطاب إلى المحافل الخارجية، وقدم في مناسبات عديدة صورة عن موريتانيا تركز على الانقسام والمظالم أكثر مما تركز على المشترك الوطني. بل إنه وصف بلاده بنظام «أبارتايد»، واتخذ في محطات مختلفة مواقف محرضة على تماسك المجتمع وانسجامه، كما اختار أن يقف إلى جانب الخطاب المعادي لبلاده في أزمة الهجرة، وفضل الخروج على الإجماع الوطني ورفض الحوار والتوافق التي انخرطت فيها القوى السياسية الموريتانية.

ولذلك، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما يقوله النائب عن موريتانيا، وإنما أيضا بأي موريتانيا تعكسها مواقفه وخطاباته، ومدى قربها من انشغالات المواطن اليومية وتطلعاته ومصالحه.

أما حديثه عن السنوات السبع، فكان متحاملا وانتقائيا وبعيدا من الواقع، فكيف يمكن تقييم هذه السنوات دون ذكر آلاف القاعات الدراسية التي شيدت، والتي تجاوز عددها 6000 قاعة، ويجري التحضير لاستلام 3000 قاعة أخرى، واستفادت منها مئات القرى التي كانت محرومة من التعليم؟ ربما  لا يبدو الأمر مهما بالنسبة للنائب بيرام.

وكيف يمكن الحديث عن واقع المواطن دون استحضار التأمين الصحي الذي شمل أكثر من مليون مواطن، غالبيتهم من ذوي الدخل المحدود؟ وكيف يمكن تجاهل استفادة أكثر من مليوني مواطن من برنامج «عون»، ووصول أبناء الأسر محدودة الدخل إلى مدارس الامتياز لمواصلة تحصيلهم في ظروف مناسبة؟ ربما ليس النائب بيرام معنيا بهؤلاء ولا بحياتهم ولا مستقبلهم.

وماذا عن إنشاء عشرات المنشآت الصحية التي باتت اليوم تعالج آلاف المواطنين الذين كانوا محرومين من الاستفادة من التغطية الصحية؟

وكيف يمكن تجاهل إنجاز نحو 3000 كلم من الطرق المعبدة، التي تربط المدن والمناطق وتفتح أمام السكان فرص الوصول إلى الخدمات والتنقل والتبادل؟ وماذا عن اكتتاب أكثر من 13000 معلم وأستاذ، وأكثر من 7000 إطار في مختلف مجالات الدولة؟ ربما لا يعتبر ذلك مفيدا بالنسبة لبيرام، إلى جانب مشاريع المياه والكهرباء والصحة والحماية الاجتماعية.

كل هذه الوقائع تمس حياة المواطن مباشرة، وتترك أثرا في الأسرة والقرية والمدرسة والمستشفى والطريق ومصدر المياه ومكان العمل.

يمكن للنائب أن يقول إن كل ذلك غير كاف، فهذا حقه. لكن إنكار ما تحقق ومحاولات طمسه لن تجدي نفعا؛ فالمستفيدون موجودون، والنتيجة قائمة ومشاهدة، والأثر ملموس، والمواطن شاهد على ما تحقق.
الحقيقة أن مشاركة بيرام عكست بشكل جلي رؤيته وانشغاله بموريتانيا التي يرى عيوبها، دون أن يقدم بالوضوح نفسه صورة متكاملة عن موريتانيا التي يريدها للمواطن.

وعموما، من المهم أن نسأل عما نرغب في أن يتحقق لبلادنا، وعن انتظاراتنا من الغد والمستقبل، لكن الأهم أن يتحول هذا السؤال إلى رؤية متكاملة: أي مؤسسات نريد؟ وأي حكامة نريد؟ وكيف نضمن عدالة أقوى وإدارة أكثر فعالية؟ وكيف نحول التنمية إلى فرص؟ وكيف نترك للأجيال القادمة دولة أكثر قوة واستقرارا وتماسكا؟ هكذا تتجلى رؤية صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، حول ما ينبغي أن تكون عليه موريتانيا في المستقبل.

والحقيقة أنه شتان بين من يبني ويرسم معالم مستقبل زاهر، ويفتح آفاق الأمل لشعبه ليقرر ما يراه مناسبا، وبين من لا يرى غير سواد الليل والنفق المظلم، ويشيع التشاؤم وفقدان الأمل ويزرع بذور الشقاق والفتنة.

أما الإجابة على السؤال، فقد وضع صاحب الفخامة إطارها العام: دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في حكمها، متماسكة في مجتمعها، ثابتة في هويتها، ومنفتحة على مستقبلها. وتبقى تفاصيل ذلك برسم انفتاح وفهم النخب الوطنية.

أربعاء, 23/09/2026 - 12:37