غاز GTA للسوق المحلية.. هل موريتانيا جاهزة فعلًا للاستفادة منه كما تستعد السنغال؟

دعوة رئيس الوزراء السنغالي أحمدو الأمين لو إلى تنسيق موقف دكار ونواكشوط تجاه شركة bp تفتح سؤالًا مهمًا بالنسبة لموريتانيا: هل تحتاج البلاد في هذه المرحلة إلى تخصيص جزء من غاز GTA للسوق المحلية، وهل تملك البنية التحتية الجاهزة لتحويل هذا الغاز إلى كهرباء؟

 

الإجابة المختصرة هي أن موريتانيا تحتاج بالفعل إلى الغاز محليًا، لكنها لا تزال أقل جاهزية من السنغال من حيث تحويل هذه الحاجة إلى إنتاج كهربائي فعلي في المدى القريب.

 

موريتانيا تملك نقطة انطلاق مهمة. فمحطة نواكشوط الشمالية بقدرة 180 ميغاوات صُممت للعمل بالوقود المزدوج، ويمكن تشغيلها تقنيًا بالفيول أو الغاز الطبيعي. كما أطلقت «صوملك» مشروعًا لإضافة وحدة جديدة بقدرة 60 ميغاوات تعمل بنظام الوقود المزدوج.

لكن التطور الأهم جاء في يونيو 2026، عندما وقعت الحكومة الموريتانية اتفاقيات مع شركة أكوا باور السعودية لإنشاء وتشغيل محطة كهربائية في إنجاكو تعمل بالغاز القادم من حقل السلحفاة آحميم الكبير، بقدرة تصل إلى 230 ميغاوات. وتُعد المحطة أول مشروع كبير لإنتاج الكهرباء بالغاز في موريتانيا وفق نموذج المنتج المستقل للكهرباء.

وتبلغ التكلفة التقديرية للمشروع نحو 700 مليون دولار، فيما تبلغ حصة «أكوا» الفعلية فيه 60%، وتشمل الاتفاقيات التصميم والتمويل والبناء والتشغيل والصيانة لمدة 25 عامًا. كما يتضمن المشروع ترتيبات لتحويل الغاز إلى كهرباء لصالح «صوملك».

الأكثر أهمية أن الحكومة تحدثت أيضًا عن خط أنابيب سينقل غاز GTA إلى محطة إنجاكو، مع استعداد الصندوق السعودي للتنمية لتمويل هذا الخط، وهو ما يعني أن المشروع يمثل عمليًا أحد أهم المسارات الموريتانية لتحويل غاز GTA إلى كهرباء محلية.

لكن هذه المحطة ليست حلًا جاهزًا الآن. فهي مشروع جديد أُطلقت اتفاقياته في منتصف 2026، ولا تزال أمامه مراحل التمويل النهائي والتصميم والبناء ومد خط الغاز والتشغيل التجريبي. وبالتالي فإن قدرته على استيعاب غاز GTA لن تكون متاحة في المدى القصير.

 

 

وهنا يظهر الفرق مع السنغال.

السنغال أصبحت أقرب إلى الاستخدام الفعلي للغاز في إنتاج الكهرباء، مع تقدم مشاريعها في مجال Gas-to-Power، وهو ما يفسر إصرار حكومتها على الحصول سريعًا على الغاز المخصص للسوق المحلية من GTA.

أما موريتانيا، فرغم أنها وضعت أساسًا واضحًا لاستغلال الغاز محليًا من خلال مشروع إنجاكو، فإن الفترة الفاصلة بين اليوم ودخول هذه المحطة الخدمة تظل هي الحلقة الأصعب.

إلى جانب إنجاكو، هناك أيضًا مشروع ربط غاز حقل باندا بمحطات نواكشوط، وهو ما يطرح على موريتانيا خيارات متعددة: هل تعطي الأولوية لغاز باندا لتغطية الاحتياجات القريبة؟ أم تسرع تجهيز إنجاكو لاستقبال غاز GTA؟ أم تعمل على دمج المسارين ضمن استراتيجية واحدة؟

من الناحية الاقتصادية، لدى موريتانيا مصلحة قوية في تقليل اعتمادها على الفيول المستورد، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء وحساسية الأسعار الدولية. واستخدام الغاز المحلي يمكن أن يخفض تكلفة الوقود ويحد من الانبعاثات ويرفع القدرة الإنتاجية.

 

لكن المشكلة أن امتلاك الغاز لا يكفي. المطلوب سلسلة مكتملة: مصدر الغاز، أنبوب أو منشأة استقبال، محطة توليد جاهزة، ثم شبكة نقل وتوزيع قادرة على استيعاب الكهرباء الجديدة.

وهنا تبرز نقطة أخرى: أزمة الكهرباء في موريتانيا ليست مرتبطة بالإنتاج وحده. فالاضطرابات الأخيرة في نواكشوط أظهرت هشاشة في النقل والتوزيع والمحطات الفرعية، ولذلك فإن إدخال الغاز إلى محطات الإنتاج لن ينهي وحده مشكلة الانقطاعات إذا لم تتوازَ معه استثمارات كبيرة في الشبكة.

لذلك، فإن موريتانيا تحتاج إلى غاز GTA محليًا، ولديها مشروع إنجاكو الذي يمكن أن يجعل هذا الاستخدام واقعيًا على المدى المتوسط، لكنها ليست جاهزة اليوم بالمستوى نفسه الذي وصلت إليه السنغال.

والسؤال الذي ينبغي أن يرافق أي تفاوض مع bp ليس فقط: كم ستحصل موريتانيا من غاز GTA؟ بل أيضًا: هل يمكن تسريع محطة إنجاكو وخط الغاز بما يسمح بتحويل هذه الحصة إلى كهرباء قبل أن تصبح مجرد مورد آخر مخصص أساسًا للتصدير؟

 

أقلام

خميس, 10/09/2026 - 17:52