
تعهد شهر أغسطس أن يجلب حمله من الانقلابات، وجاء الانقلاب هذه السنة على الرتب الأكاديمية. لقد شكل المقرر رقم 00495 الصادر قبل أيام والذي أقر منح ترقيات في الرتب الأكاديمية لبعض الأساتذة الجامعيين انقلابا صريحا على النصوص المنظمة للترقيات، انقلابا على المصلحة العلمية للمؤسسات، وانقلابا على مبدأ المساواة بين الأساتذة.
1. الانقلاب على النصوص
ينص المرسوم رقم 12-2022 بتاريخ 16 فبراير 2022 والمقرر رقم 288 بتاريخ 22 مارس 2022 أن الترقية من رتبة أستاذ مساعد إلى أستاذ محاضرات تتطلب -زيادة على أن يكون المتقدم حاصلا على شهادة الدكتوراه وأمضى على الأقل أربع سنوات في رتبة أستاذ مساعد- أن يكون قد نشر كتابا في مجال الاختصاص أو أن يكون قد نشر مقالين علمين في مجلات محكمة بعد تعيينه في رتبة أستاذ مساعد.
قرابة ثلثي الذين تمت ترقيتهم في المقرر 00495 لا يحققون هذا الشرط الأخير ولم يقدموا أصلا ملفاتهم للمجلس الوطني للتعليم العالي والبحث العلمي للنظر فيها.
2. الانقلاب على المصلحة العلمية للمؤسسات
تعمل المؤسسات العلمية على تحسين تصنيفها، وقد دخلت حديثا جامعة نواكشوط وجامعة لعيون التصنيف العربي، ونعلم جميعا أهمية الإنتاج العلمي في هذه التصنيفات وقد كانت لزوميته للترقية أكبر محفز للأساتذة على الإنتاج العلمي، فإذا تبين أنه بالإمكان أن تحصل على الترقية دون نشر أي مقال -منة وتفضلا من آمر التعليم العالي-فإن أثر ذلك على الإنتاج العلمي سيلاحظ دون شك خلال السنوات القادمة.
مع العلم أن الإنتاج العلمي الموريتاني السنوي يقارب مئة مقال في المجلات العلمية المصنفة، فإن ما كان يتعين على الأساتذة، الذين تمت ترقيتهم دون استيفاء الشروط، تقديمه للحصول على الترقية إلى رتبة أستاذ محاضرات وفقا للمرسوم 12-2022 يعادل الإنتاج العلمي الموريتاني لسنتين، وهو ما أفقده هذا المقرر أو أفقد قسطا كبيرا منه.
3. الانقلاب على مبدأ المساواة بين الأساتذة
في السنوات الأخيرة عكف عدد كبير من الأساتذة على البحث وقدموا للمجلس الوطني للتعليم العالي والبحث العلمي ملفات تحتوي على الأقل على مقالين منشورين في مجلات علمية محكمة للحصول على رتبة أستاذ محاضرات ومن بينهم بعض المشمولين بهذا المقرر.
بعد هذا المقرر الذي منح الرتبة لما يقارب مئة أستاذ مساعد دون أن يقدموا ملفات للمجلس، أصبح لدينا مجموعة حصلت على رتبة أستاذ محاضرات استحقاقا ومجموعة حصلت عليها منة وتفضلا -رغم أن بعضها بل جلها أساتذة جيدون- والكثير منهم لا يريد الحصول على رتبة أستاذ محاضرات بهذه الطريقة، ولا يريد أن تكون لأحد عليه منة، ولا يريد أن يستغل في تنفيذ استراتيجية أحد أو خطته، كما أن التعليم العالي بطبيعته النخبوية لا يصلح أرضية للشعبوية.
من ناحية أخرى، لم يكن نزيها ذكر الاجتماع الأخير للمجلس الوطنيللتعليم العالي والبحث العلمي في توطئة المقرر 00495، إيحاء بأن اللائحة صادرة عنه في حين أن ما يقرب ثلثي المشمولين لم يقدوا ملفات للمجلس على الإطلاق. كما لم يكن عادلا أن نشمل في لائحة واحدة الذين قدموا ملفات استوفت الشروط كاملة مع اللائحة المضافة من الذين لم يقدموا ملفات للمجلس.
لا مناص من تشكيل لجنة تقص، لمعرفة ظروف إقرار هذا المقرر ومدى مخالفته للنصوص ومعالجة تبعاته وقد يكون من المهم أيضا أن نفهم البنية الذهنية التي أفرزته -لأنها بنية تعتقد أن النصوص للاستئناس وليست للتقيد- والبنية الإدارية التي سمحت بتحوله إلى قرار فمقرر، وأن نعرف لماذا سكت رؤساء ومدراء المؤسسات، وطاقم الوزير، والمدراء المركزيون وأعضاء المجلس الوطني للتعليم العالي والبحث العلمي عن هذا المقرر الذي يقوض أهم ورقة لتحفيز الإنتاج العلمي في مختلف المؤسسات وهو ما يشكل صلب مسؤولياتهم. ولا شك أنهم جميعا يدركون مدى قانونيته هذا المقرر وحجم تبعاته.
4. الخيار الكورنيلي
من المؤسف أن تكتب لتنتقد قرارات تعتقد أن وراءها إخوة وأصدقاء تحترمهم، ويستفيد منها زملاء -بل أحيانا إخوة وأصدقاء- تحب لهم كل الخبر، ولكن ذلك ما يحدث حين ينحصر الخيار بين ذلك وبين السكوت عن الحق والمصلحة معا.
وفق الله وأعان
د. م. شماد ولد مليل نافع



.jpeg)

.jpeg)