خطر صحي صامت ينهش غذاء الموريتانيين

يتسلل خطر صحي بالغ الخطورة إلى غذاء الموريتانيين، في ظل غياب وعي واسع بحجمه الحقيقي. ولا يتعلق الأمر بحالة معزولة، بل يعكس عجزًا جماعيًا عن مواجهة سلسلة غذائية يكتنفها الغموض، حيث نادرًا ما تخضع مكونات المواد الأساسية، سواء الدقيق أو المحسنات الغذائية، لأي رقابة فعلية. وإذا لم تعد حماية الصحة العامة تمثل البوصلة التي توجه عمل السلطات، فإن أجهزة الرقابة تفقد مبرر وجودها، وتتحول مهامها إلى مجرد إجراءات إدارية شكلية أمام واقع ينذر بالخطر. وهذا ليس افتراضًا، بل انعكاس لواقع أشمل يتمثل في منظومة رقابية تعاني من ثغرات واسعة، تجعل السكان عرضة لمخاطر غير مرئية لكنها قد تكون قاتلة.

ورغم ذلك، أنشأت موريتانيا عام 2023 الوكالة الموريتانية للسلامة الصحية للأغذية (AMSSA)، التي أعلنت تنفيذ 4251 عملية تفتيش خلال عام 2025. غير أن هذا العدد، وإن بدا مهمًا على الورق، يظل محدودًا إذا ما قورن باتساع رقعة البلاد وتزايد نقاط البيع. كما أن عمليات الحجز والإتلاف، مثل تدمير طنين من المواد الغذائية المنتهية الصلاحية في كوبني أو نحو عشرين طنًا خلال عام 2023، لا تكشف سوى الجزء الظاهر من المشكلة. فهذه الكميات الضخمة تعكس قبل كل شيء حجم المنتجات الخطرة التي ما تزال تتداول بحرية في الأسواق. كما خصصت الوكالة الرقم 1113 لتلقي شكاوى المواطنين المتعلقة بسلامة الأغذية، وهي مبادرة محمودة، لكنها تنقل إلى المستهلك جزءًا من مسؤولية يفترض أن تتحملها الدولة، ولا تعالج النقص الواضح في الرقابة الوقائية.

 

 

فحوص متقطعة وإمكانات محدودة

 

يرتبط هذا الوضع بفعل الاعتماد الكبير على الواردات، إلى جانب النقص الحاد في الوسائل الفنية. ففي غياب نظام وطني متكامل للاعتماد المخبري، تبقى التحاليل العلمية متقطعة، بينما تشكل الحدود، ولا سيما الحدود الطويلة مع مالي، ممرات مفتوحة لازدهار التهريب دون رقابة كافية.

ويمتد الشريط الحدودي بين موريتانيا ومالي على مسافة 2237 كيلومترًا، ويُوصف بأنه منطقة صحراوية شاسعة يصعب الوصول إليها، الأمر الذي يجعل مهمة أجهزة الرقابة أكثر تعقيدًا. فالمفتشون، في ظل محدودية الموارد وضعف البنية التحتية، لا يستطيعون فرض رقابة فعالة، خاصة في المناطق الريفية، وهو ما يفتح المجال أمام سوق موازية تُعرض فيها منتجات لا تتوفر بشأنها أي ضمانات صحية.

 

 

غموض يحيط بالغذاء اليومي

 

ولا تقتصر هذه الثغرات على المنتجات المستوردة، بل تمتد إلى أغذية يستهلكها المواطن يوميًا.

فالخبز، الذي يعد من أكثر المواد استهلاكًا، يُنتج من دقيق ومحسنات غذائية لا تزال تركيبتها الكيميائية غامضة، بسبب غياب التحاليل المنشورة وانعدام الشفافية. وينطبق الأمر ذاته على المطاعم ومحلات الوجبات السريعة، التي غالبًا ما تفلت من التفتيش المنتظم، وكذلك على اللحوم التي تُباع في بعض الأسواق دون شهادات صحية موثوقة.

وتوصي الوكالة الموريتانية للسلامة الصحية للأغذية المواطنين بـ«الحرص دائمًا على شراء اللحوم من محلات الجزارة والمسالخ المعتمدة والخاضعة للرقابة البيطرية الرسمية»، وهي توصية تعكس في حد ذاتها حجم المعاملات التي تتم خارج أي رقابة.

وهذا الغموض لا يمثل مجرد تفصيل، بل يجعل كل وجبة غذائية احتمالًا للتعرض لتلوث بكتيري أو كيميائي.

 

 

تسممات فورية وأمراض مزمنة

 

تظهر آثار هذا الوضع في صورتين مختلفتين.

الأولى تتمثل في حالات التسمم الغذائي الحاد، كما حدث في قرية بلغربان خلال أبريل 2025، حيث أصيب 85 شخصًا، بينهم 18 حالة خطيرة، بعد استهلاك حليب محلي غير خاضع للرقابة. وكشفت التحاليل المخبرية وجود بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية (Staphylococcus aureus)، التي غالبًا ما تنتج عن تلوث الأيدي أو إصابات ضرع الأبقار، ويزيدها سوءًا غياب احترام سلسلة التبريد.

وفي الفترة نفسها تقريبًا، سجلت القرية ذاتها نحو 80 حالة تسمم بسبب استهلاك حليب مغشوش.

وفي تعليق لافت نشره أحد المواطنين في وسيلة إعلامية، قال: “مواد منتهية الصلاحية تُباع في جميع الأسواق على مرأى ومسمع من مصالح الرقابة الصحية.”

أما الوجه الثاني للخطر، فهو أكثر هدوءًا وأشد فتكًا، ويتمثل في الاستهلاك المستمر لمضافات غذائية محظورة، ومواد حافظة غير مطابقة للمواصفات، وأصباغ سامة، وهو ما يعرض السكان، ولا سيما الشباب المكثرين من الوجبات السريعة، للإصابة بأمراض مزمنة خطيرة مثل السرطان وأمراض القلب واضطرابات الكلى.

 

 

اختلالات هيكلية

 

أمام هذا الواقع، لم تبق السلطات مكتوفة الأيدي بالكامل. فقد أبرمت شراكة مع برنامج الأغذية العالمي، وشرعت في تحديث وسائل الرقابة، من خلال إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في الفحوص الأولية، ورقمنة عمليات التفتيش، وتأهيل مختبرات الوكالة.

غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تزال عاجزة عن معالجة الاختلالات البنيوية، في ظل محدودية الموارد المخصصة للرقابة واتساع الأسواق غير المنظمة، وهو ما يقلل من أثرها الفعلي.

وفي هذا السياق، طالب المنتدى الموريتاني للمستهلك بإنشاء هيئات متخصصة تمتلك الوسائل الكافية للقيام بمهامها. كما أكد أمينه العام أهمية السلامة الغذائية في حماية الصحة العامة، ودعا إلى تفعيل دور القضاء في حماية المستهلك وملاحقة المخالفات.

وأشار خبراء شاركوا في نقاشات المنتدى إلى أن قضية تلوث بعض أنواع الشاي تؤكد أن المشكلة لا تقتصر على الحليب أو اللحوم، بل تمتد إلى مختلف المواد الغذائية المتداولة يوميًا.

 

 

مسؤولية لا تحتمل التأجيل

 

إن الرقابة الصحية على الأغذية ليست ترفًا ماليًا ولا عبئًا إداريًا، بل واجب قانوني وأخلاقي يقع على عاتق الدولة.

ولكي تستحق منظومة الرقابة هذا الوصف، لا بد من تعزيز قدرات التفتيش، وتعميم التحاليل المخبرية، وتشديد العقوبات على الغش، والأهم من ذلك، نشر نتائج الرقابة بشفافية كاملة.

فإطلاع المواطن على حقيقة ما يستهلكه يمنحه القدرة على اتخاذ القرار وحماية نفسه.

وللموريتانيين الحق في غذاء آمن، وفي معرفة حقيقة ما يصل إلى موائدهم، وفي صون صحتهم وسلامتهم الجسدية. ولم يعد الأمر يحتمل مزيدًا من الوعود، لأن وراء كل مادة غذائية لم تخضع للرقابة قد تكون حياة إنسان معرضة للخطر بصمت.

 

سيد محمد بيبكر
عقيد متقاعد

اثنين, 27/07/2026 - 16:11