
منذ الإعلان عن أول شحنة غاز طبيعي مسال مغادرة للسواحل الموريتانية من حقل “السلحفاة الكبير/أحميم” (GTA) في مايو 2025، دخلت موريتانيا مرحلة جديدة من تاريخها الطاقوي، تختلط فيها الآمال الاقتصادية بأسئلة مشروعة حول حجم العائد الفعلي الذي ستجنيه الخزينة العمومية من هذه الثروة. ولفهم هذا العائد فهماً دقيقاً، لا بد من العودة إلى الأساس القانوني والاقتصادي الذي يحكم استغلال الموارد الهيدروكربونية، أي عقود تقاسم الإنتاج (Production Sharing Contracts)، وهي الصيغة التعاقدية الأكثر شيوعاً في صناعة النفط والغاز بالدول النامية، وتقوم على مبدأ أساسي مفاده أن الشركة الأجنبية المشغِّلة تتحمل كافة مخاطر وتكاليف الاستكشاف والتطوير، مقابل حقها في استرداد هذه التكاليف من الإنتاج المستقبلي قبل تقاسم الأرباح مع الدولة المضيفة. وينقسم الإنتاج وفق هذا النموذج إلى شطرين: جزء مخصص لتغطية التكاليف يُعرف اصطلاحاً بـ”Cost Gas”، وهو الحصة التي تسترد بها الشركة استثماراتها التراكمية في الاستكشاف والتطوير والتشغيل، وجزء آخر يمثل الفائض الاستثماري ويُعرف بـ”Profit Gas”، وهو الذي يُقسَّم بين الدولة والشركة وفق نسب محددة سلفاً في العقد. وقد اعتمدت موريتانيا هذا النموذج منذ مطلع الألفية، بدءاً بحقل شنقيط النفطي، مروراً بعقود التنقيب البحري التي أبرمتها مع شركة Kosmos Energy ابتداءً من عام 2012 في إطار مدونة المحروقات الصادرة بالقانون رقم 033-2010.
ولما كان حقل الغاز يمتد عبر الحدود البحرية بين موريتانيا والسنغال، فقد استوجب ذلك توحيد استغلاله عبر اتفاقية تعاون حكومية بين البلدين على غرار اتفاقية “فريج” التي جمعت بريطانيا والنرويج في بحر الشمال، ووقّع الرئيس السنغالي خلال زيارته لنواكشوط مطلع 2018 اتفاقية تقاسم عائدات الحقل بواقع خمسين في المائة لكل بلد من الإنتاج الإجمالي، على أن تُخصم تكاليف الإنتاج من حصة كل دولة وفق العقد الذي أبرمته مع الشركة المشغِّلة. أما هيكل الملكية في رخصة الحقل فيتوزع بين شركة بي بي البريطانية المشغِّلة بحصة 56 في المائة، وكوسموس إنرجي الأميركية بحصة 27 في المائة، والشركة الموريتانية للمحروقات بحصة 7 في المائة، وشركة بتروسين السنغالية بحصة 10 في المائة، ويُقدَّر احتياطي الحقل بأكثر من 15 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وهو ما يمنحه مكانة بين أكبر الحقول البحرية في القارة الأفريقية، مع توقعات باستمرار الاستغلال لعقود طويلة قادمة.
وهنا تكمن نقطة الجوهر التي يغفل عنها كثير من النقاش العام، وهي أن حصة موريتانيا “الاسمية” من رأس المال، أي خمسون في المائة من الإنتاج الإجمالي كدولة وسبعة في المائة كشركة وطنية شريكة، لا تعني حصولها الفوري على هذه النسب نقداً. فبموجب آلية استرداد التكاليف، يبلغ سقف تغطية تكاليف الإنتاج المسموح به في العقد الموقع مع بي بي اثنتين وستين في المائة من العائدات، وهو ما يعني أن حصة الدولة الصافية تبقى محدودة خلال السنوات الأولى من التشغيل. وبحسب معطيات حديثة، فإن حصة موريتانيا من الإنتاج عبر الشركة الموريتانية للمحروقات تُقدَّر بسبعة في المائة فقط خلال فترة استرجاع التكاليف، أي المرحلة السابقة لتاريخ بدء الإنتاج التجاري، على أن ترتفع إلى 11.5 في المائة بعد استكمال هذه المرحلة. وتشير التقديرات الأولية إلى أن صافي مداخيل الدولة من المشروع لعام 2025 لم يتجاوز نحو 12 مليار أوقية قديمة، وهو رقم متواضع مقارنة بحجم الاحتياطي المعلن، ويُفسَّر أساساً بأولوية استرداد التكاليف في السنوات الأولى من التشغيل.
ولا تخلو هذه الصيغة التعاقدية من تحديات بنيوية جديرة بالتوقف عندها، أولها أن نموذج استرداد التكاليف يخلق حافزاً بنيوياً لدى الشركات المشغِّلة لتضخيم التكاليف المعلنة طالما أن العائدات تُخصص أولاً لتغطيتها قبل تقاسم الأرباح، وهي إشكالية واجهتها دول رائدة في هذا المجال كإندونيسيا، أول من تبنّى هذا النموذج عام 1966، والهند، مما دفع كلتيهما لاحقاً إلى مراجعة نظام استرداد التكاليف أو التخلي عنه جزئياً. وثانيها أن الشركة الموريتانية للمحروقات لجأت إلى تمويل حصتها في المشروع عبر قرض من الشريكين الأجنبيين، إذ بلغ هذا القرض مع فوائده نحو 495 مليون دولار بحسب تقرير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية لعام 2023، أي ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الدين الخارجي الموريتاني لتلك السنة، وسيُسدَّد هذا القرض مع فوائده من عائدات المشروع نفسه، مما يؤخر مرة أخرى تحصيل الدولة لعائد صافٍ ملموس. وثالثها أن النموذج الموريتاني لا يزال قائماً على استرداد التكاليف الكلاسيكي المرتبط بوتيرة الإنتاج، بخلاف النماذج “الذكية” الحديثة التي تربط تقاسم الإنتاج بمردودية المشروع الفعلية وجدواه الاستثمارية، وهو ما قد يوفر حماية أكبر لمصلحة الدولة المضيفة من ظاهرة تضخيم التكاليف.
ويوفر إطار الشفافية القائم حالياً، عبر النشر السنوي لتقارير الصناعات الاستخراجية والامتثال لمعايير مبادرة الشفافية الدولية، أرضية جيدة لمراقبة أداء القطاع، غير أن تحويل الثروة الغازية إلى تنمية اقتصادية حقيقية يستلزم تعزيز القدرات الرقابية والتدقيقية الوطنية على التكاليف المعلنة من قبل الشركات المشغِّلة للحد من مخاطر التضخيم، والتفكير التدريجي في نماذج تعاقدية أكثر توازناً للمشاريع المستقبلية كحقل بير الله وغيره، تربط تقاسم الإنتاج بمردودية المشروع لا بوتيرة الإنتاج فقط، إلى جانب وضع إطار واضح ومُعلَن لاستخدام العائدات المتوقعة بعد مرحلة استرداد التكاليف بما يضمن تحويلها إلى استثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية، تجنباً لتكرار تجارب “لعنة الموارد” التي عرفتها دول نفطية أخرى، وتكثيف التواصل المؤسسي مع الرأي العام حول تفاصيل هذه العقود بما يقلّص من مساحة اللبس والتأويلات المتضاربة التي رافقت النقاش العام منذ انطلاق الإنتاج.
وخلاصة القول إن الدخول الفعلي لموريتانيا إلى “النادي الغازي” العالمي يمثل محطة تاريخية، لكنه لا يعني تلقائياً تدفقاً فورياً وسخياً للعائدات نحو الخزينة العمومية، ذلك أن البنية التعاقدية القائمة على تقاسم الإنتاج واسترداد التكاليف تفرض واقعاً تدريجياً ومعقداً لتحصيل الريع الوطني، يستوجب متابعة علمية ورقابة صارمة ونقاشاً عمومياً مستنيراً، بعيداً عن التبسيط المفرط أو التهويل غير المبني على معطيات.
د. ختار الشيباني
أستاذ الاقتصاد، جامعة نواكشوط وزير و إطار سابق بالشركة الموريتانية للمحروقات (SMH)



.jpeg)

.jpeg)